كتاب وأراء

فقيد الوطن

بقلوب يعتصرها الحزن والأسى تلقينا جميعا خبر وفاة فقيد الوطن المغفور له، بإذن الله، صاحب السمو الأمير الأب الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني الذي وافته المنية مساء أمس.
وإذ نرفع إلى مقام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والأسرة الكريمة وأبناء شعبنا الوفي أبلغ تعازينا بفقيد الوطن الكبير، فإننا نستذكر في هذا اليوم الحزين ما تركه الراحل من إرث سوف يبقى علامة فارقة في تاريخ وطننا الحبيب.
ففي اليوم الثالث من سبتمبر من عام 1971، أعلن صاحب السمو الأمير الأب، وكان وقتها نائبا لحاكم الدولة، إنهاء العلاقات التعاهدية مع بريطانيا وإلغاء المعاهدة الموقعة معها في عام 1916، فأصبحت قطر دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، وفي الشهر ذاته انضمت قطر إلى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة.
سوف يذكر التاريخ أن الفقيد الراحل وضع اللبنات الأولى للدولة، فبعد عام واحد من إعلان الاستقلال تم تشكيل مجلس الشورى وتنظيم أمور القضاء، وقد أدرك مبكرا أن الإنسان القطري هو هدف التنمية ومبتغاها فأولى التعليم ما يستحقه من عناية لبناء إنسان قادر على العمل والإبداع وفق مقتضيات العصر، فتوسعت المدارس وتمت الاستعانة بخيرة المدرسين والإداريين من العالم العربي، كما أنشئت جامعة قطر، النواة الأولى، والمؤشر الأهم على ما أولاه الفقيد الكبير للتعليم من اهتمام باعتباره السلاح الأمضى والوسيلة الأهم لبناء المستقبل.
لم يكن التعليم وحده في صلب اهتماماته، بل إنه أعطى الشأن الثقافي أيضا ما يستحقه من اهتمام ورعاية، فقامت الصحف والمجلات، وانطلقت وكالة الأنباء القطرية في العام 1975 لمتابعة الأخبار والنشاطات وفعاليات القطاعين الحكومي والخاص ونشرها وإبراز منجزات البلاد في شتى المجالات داخل الدولة وخارجها.
من التعليم إلى الثقافة والفنون والآداب إلى تطوير الاقتصاد، إلى بناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة بين قطر ودول العالم، حيث تمت العلاقات الدبلوماسية بين قطر والعديد من دول العالم.
الحديث عن الفقيد الكبير، حديث عن بناء قطر وفق أسس ومعايير مختلفة، أساسها إقامة أمتن العلاقات مع دول الخليج، والدول العربية والإسلامية لتتبوأ قطر المكانة التي تستحقها، كعضو فاعل في أسرتها الخليجية والعربية، وفي المجتمع الدولي.
لقد قاد صاحب السمو الأمير الأب الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني رحمه الله البلاد في ظروف سياسية صعبة، هي ظروف التأسيس، والتطورات السياسية الصعبة التي شهدتها المنطقة نتيجة حربي الخليج الأولى والثانية، والفقيد، رحمه الله، تمكن من إدارة دفة الحكم آنذاك سواء خلال سنوات الحرب الثماني بين العراق وإيران أو خلال تطورات احتلال العراق للكويت، وكان موقف قطر ثابتا لا يتزحزح لجهة دعم الأشقاء في الكويت والوقوف معهم بكل الإمكانيات من أجل تحريرها وعودتها حرة مستقلة، وقد تمثل موقف قطر آنذاك بضرورة الانسحاب العراقي وعودة الشرعية إلى الكويت الشقيقة من أجل إعادة الأمور إلى سابق عهدها ونفي الحاجة إلى استخدام القوة، وعندما رفض العراق كانت قطر سباقة إلى المشاركة في معركة تحرير الكويت، وبذلت الغالي والنفيس من أجل عودتها حرة مستقلة، وما زلنا نذكر في هذا السياق معركة الخفجي التي لعبت فيها قطر دورا أساسيا حيث تحركت قواتنا مع القوات السعودية نحو المدينة وقامت بتطويقها من جهة الغرب والجنوب، وتطلب الأمر لتحرير المدينة حوالي 72 ساعة من القتال الشرس كان لقطر دور بارز فيه.
القضية الفلسطينية كانت في صلب اهتمامات قطر، وقد بذلت الكثير من أجل الدفاع عن الشعب الفلسطيني وتمكينه من الصمود في وجه الاحتلال الإسرائيلي، وقد انعكس ذلك في مواقف قطر الثابتة، وفي تقديم الدعم والمؤازرة، ولم تكن هذه القضية وحدها في صلب اهتمامات الفقيد الكبير، إذ كانت القضايا العربية والإسلامية محل دعم كبير، وله في ذلك مواقف لا تنسى.
إنسانيا كانت قطر سباقة في تقديم كل ما من شأنه مؤازرة الأشقاء والأصدقاء، وأذكر هنا كلمة سموه في افتتاح دورة كأس الخليج في العام «1992» عندما رحب بالحضور بشكل عفوي وتلقائي قائلا: « أهلا بالجميع في دوحة الجميع »، وهي العبارة التي رسخت بالأذهان وصارت لاحقا شعارا يتكرر حول اهتمام قطر بالأشقاء والأصدقاء وفتح أبوابها لهم جميعا.
وفي عهد سموه أنشئت نواة للخطوط الجوية القطرية حققت فيما بعد قفزات عالمية وتطورا كبيرا قادها لتصبح اليوم واحدة من أهم شركات الطيران في العالم.
وكانت قطر قبل ذلك شريكا أساسيا في «طيران الخليج»، وكان الهدف ربط دولنا وتحقيق التكامل فيما بينها، وساهمت بفعالية كبيرة في قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فيما بعد.
كما ذكرت فإن وصول الفقيد الكبير إلى الحكم، رافقته تداعيات كبيرة، خليجيا وعربيا ومن ذلك حرب اكتوبر، وما تبعها من تطورات سياسية لاحقا عندما قرر الرئيس الراحل أنور السادات المضي في العملية السلمية، حيث شهد العالم العربي عملية استقطاب كبيرة لم تكد تنتهي فصولها حتى اندلعت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، ثم حرب الخليج الثانية، وكان يتعين على قطر أن تبحر وسط بحر هائج تكتنفه التحديات الجسام، وأن تلعب دورا مؤثرا في محيطها العربي.
اتسمت سياسات الراحل الكبير بالدفع باتجاه التعاون والتنسيق، وهو دور كان له تأثيره وأهميته في تلك الظروف الصعبة، وبالتوازي معه كان لابد من بناء الدولة وفق أسس حديثة.
كانت فترة تحديات، وكانت أشبه بالإبحار وسط أمواج عاتية، وقد تمكن الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، رحمه الله، من القيام بالمهمة كما يجب القيام بها، فنهض بالتعليم والقطاع الصحي، وفي العام «1982» أنشئ مستشفى حمد العام الذي يشكل النواة الأولى للنهضة الصحية الكبيرة التي نشهدها اليوم، كما وضع سموه اللبنات الأولى للرعاية الصحية الأولية والخدمات الإسكانية لتصبح قطر واحدة من أهم الدول في رعاية أبنائها على أعلى مستوى ممكن.
وفي القطاع السياحي كان للفقيد الكبير بصماته الواضحة، إذ عمل مبكرا لوضع قطر على الخريطة السياحية وكان إنشاء شيراتون الدوحة الخطوة الأولى، دون أن ننسى «كورنيش الدوحة» الذي أصبح علامة من علامات الجمال لمدينتا الرائعة.. إضافة إلى العديد من الفنادق والمنتجعات والحدائق والأسواق العامة.
كما شهدت مرحلته وضع الأساسات لنهضة رياضية على مستوى المنشآت ومنها أحد أبرز الملاعب في المنطقة والذي يحمل اسمه وهو استاد خليفة الدولي الذي افتتح في عام 1976 مع استضافة الدوحة لدورة الخليج الرابعة لكرة القدم.. لتشهد الحركة الرياضية فيما بعد إنجازات غير مسبوقة بالوصول للعالمية في بعض الألعاب واستضافة مونديال 2022 لكرة القدم كأول دولة في منطقة الشرق الأوسط تستضيف هذا الحدث العالمي.
من الصعب الحديث عن كل شيء في هذه العجالة، بقدر ماهي عملية استعادة لبعض ما أنجزه الراحل الكبير من أجل رفعة وطننا الحبيب.
رحم الله فقيد الوطن المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الأب الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني. وألهمنا جميعا الصبر والسلوان.
«إنا لله وإنا إليه راجعون»

محمد المري