كتاب وأراء

المذيع الأصلع

أحياناً، لا يستطيع الإعلامي أو الفنان أو من يمتلك قاعدة جماهيرية، أن يتفهم ماذا يريد الجمهور تحديداً، الأمر طبيعي فقراءة أمزجة الجماهير على اختلاف تعدد فئاتهم العمرية وأنماطهم الفكرية والعرقية والاجتماعية، أمر شديد الصعوبة ويحتاج إلى ذهن صافٍ لا تشوبه شائبة، لهذا، ظهر مفهوم مدير الأعمال الذي يتولى مسؤولية ظهور النجم أمام الجمهور، ويقوم على تنسيق برامج النجم ومواعيده، إلى جانب امتلاكه القدرة الذهنية على فهم رغبات الجمهور المتغيرة بوعي وذكاء، مبتعداً عن الهالة الإعلامية التي يعيشها النجم، والضغوط النفسية التي يُحاصر بها النجوم بسبب الأضواء المسلطة عليهم.
الكثيرون منا لم يستطيعوا أن يقرأوا ماذا يريد الجمهور تحديداً، تكتب مقالا وتتخيل أن هذا المقال من الممكن أن يكّسر الدنيا، وأن يحظى بشعبية هائلة وبتفاعل وحشد كبير من القراء، ولكن يخيب ظنك ويصفق الجمهور لمقال لم تتوقع على الإطلاق، أنه سيترك علامة فارقة ربما في مشوارك الصحفي كلهُ.
وهو ما يحدث الآن في إعلامنا العربي وما يقوم به العديد من المشاهير، وهو عدم القدرة على الوعي بما يدور داخل أمزجة الجماهير المختلفة والمتنوعة، فينساقون للوقوع في أخطاء لا سبيل لمداراتها، هناك العديد من الأمثلة عن فشل النجوم في اختيار النموذج الأنسب لظهورهم على الساحة الإعلامية، ولكني هذه المرة سأختار ما قام به أحد المذيعين الخليجيين، مؤخراً، حينما ظهر في برنامجه الصباحي على إحدى القنوات الفضائية الشهيرة، وقام بحلق شعره تعبيراً عن تضامنه مع مرضى السرطان، الرسالة التي أراد أن يصل لها المذيع بدت زاعقة في الفوضى، ويطيب لي أن أسمي ما قام به المذيع الشاب أنه مجرد «هياط» إعلامي فقط لا غير، الحقيقة التي غابت عن ذهن الإعلامي الذي أراد أن يحدث ضجة مؤثرة، لم تنل سوى استهجان تصرفه على الشاشة ولم يحصد على قبول مجتمعي كما كان يتوقع أو يتصور، فعليك عزيزي القارئ أن تتخيل أن يقوم رجل بحلق شعره، ما الجديد في هذا الأمر؟ ما المدهش في أن يتخلى الرجل عن شعره؟ ما القوة التي كان يتطلع إليها المذيع وهو يمسك آلة الحلاقة أمام الجمهور، ويقوم بحلاقة شعره الذي لن يتمكن من التبرع به، فهناك شروط وقواعد عالمية للتبرع بالشعر؟
هناك العديد من النجوم الذين لم يصدقوا بأن الشهرة قد انسحبت من تحت إقدامهم، فيحاولوا بشتى الطرق الأخلاقية واللا أخلاقية في جدوى منهم للعودة مجدداً إلى الأضواء، لكنهم يصادفون جداراً من الإعاقات الفكرية، إذ أن طريقة اختيارهم للظهور مجدداً لا تتناسب قيمها مع المجتمع، أو أنهم بالفعل لم يعد لديهم مكاناً في السوق الإعلامي، فلا يصدقوا هذه الحقيقة المُرة ويقاوموا الرفض بالإصرار مجدداً، فهناك فلسفة تقول بإن المقاومة لا تولد أي نجاح يذكر، وهو ما يحدث حالياً مع العديد من النجوم الذين لم يعودوا مرغوبين من الجمهور.
إن ما فعله المذيع هي قراءة ساذجة لنمطية فكر الجمهور الموجهة إليه، فمن المعيب في العرف الإعلامي محاولة التكسب من أمراض الآخرين أو احتياجاتهم النفسية، بغية الوصول مجدداً إلى الأضواء!

بقلم : سارة مطر

سارة مطر