كتاب وأراء

أرمينيا وأذربيجان قنبلة موقوتة جديدة

تداخل احتفال الأرمن بذكرى مرور مائة عام على المأساة التي تعرض لها اسلافهم في نهاية الحرب العالمية الأولى على يد القوات العثمانية، مع تجدد الصراع العسكري بين أرمينيا واذربيجان.

وقد انطلق هذا التداخل من أمرين اساسيين ؛ الأمر الأول هو وقوف تركيا إلى جانب أذربيجان واعلان الرئيس رجب طيب أردوغان «ان تركيا تقف حتى النهاية مع أذربيجان». والأمر الثاني هو ان الأذريين رغم انهم يعتنقون المذهب الشيعي الاثني عشري، الا انهم يتحدرون من أصول تركية. واللغة الأذرية مشتقة من اللغة التركية أيضاً.

أما الجانب الآخر لهذا التداخل فهو ان إيران التي تعمل على تصدير ثورتها المذهبية إلى الدول العربية، تقف إلى جانب أرمينيا ضد أذربيجان، ذلك انها تخشى من المطامع القومية للأذريين في شمال إيران الذي يتطلعون إلى اقامة «أذربيجان الكبرى» باعتبارها هدفاً قومياً مشتركاً. ثم ان إيران تعتبر الأقلية الأرمينية في إيران ممثلة للمسيحيين الإيرانيين عامة. ويتكرس ذلك في تخصيص مقعد في مجلس النواب الإيراني لمسيحي ارمني حصراً.

لا تقف تعقيدات الصراع الأذري – الأرمني عند هذا الحد. هناك لاعب اقليمي آخر يقوم بدور أساسي أيضاً، وهو الاتحاد الروسي. فالدولتان، ارمينيا وأذربيجان، كانت جمهوريتين من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، واستقلتا عنه بعد انهياره في عام 1991، وتعتمد كل منهما في أمنها الوطني على السلاح الذي تشتريه من روسيا. الا ان علاقات الكرملين مع أرمينيا أعمق وأكثر رسوخاً. فقد عقدت الدولتان معاهدة أمنية حصلت روسيا بموجبها على قاعدة عسكرية دائمة. ومقابل ذلك تعهدت روسيا بالدفاع عن أرمينيا وعن مصالحها وأراضيها. الا ان هذه المعاهدة لا تشمل ناكورني كاراباخ، المنطقة الجبلية المتنازع عليها بين أرمينيا وأذربيجان.

لا توجد معاهدة مماثلة بين روسيا واذربيجان. الا ان روسيا هي المصدر الأساسي للسلاح الاذري. وقد ارتفعت موازنة التسلح الأذرية من 177 مليون دولار في عام 2003 إلى 3 مليار دولار في عام 2015.

تشير هذه الوقائع إلى خطر تدويل الصراع الأذري – الأرميني. فالتزام تركيا –بخلفيتها الأطلسية - بالوقوف إلى جانب أذربيجان (حتى النهاية) والتزام روسيا بالدفاع عن أرمينيا، بموجب المعاهدة الأمنية الثنائية بينهما ؛ والصراع الروسي – التركي الذي انفجر منذ اسقاط تركيا طائرة السوخوي الروسية فوق سورية ؛ والتحالف الإيراني – الروسي الذي تجاوز حدود سوريا، والذي تكرس في صفقات الأسلحة الصاروخية الروسية إلى إيران،

ان كل هذه العوامل تشير إلى تكوّن معسكرين متناقضين. معسكر ارميني – روسي – إيراني من جهة، ومعسكر أذري – تركي من جهة ثانية. وهو صراع يتعدى حدود المنطقة المتنازع عليها (ناكورني كاراباخ) ليطال الشرق الأوسط، وليضيف بالتالي مشكلة جديدة إلى مشاكله المتداخلة اقليمياً ودولياً.

ليس من مصلحة روسيا انفجار صراع جديد على حدودها وبين دولتين تقعان في ظل نفوذها السياسي. ولذلك عملت على التدخل لوقف القتال الأول الذي نشب بين الدولتين وأدى إلى مقتل 30 ألف شخص في عام 1994. ونجحت فعلاً في حملهما على إقرار اتفاق على وقف النار. إلى ان انفجر الصراع من جديد في مطلع شهر ابريل – الماضي، وأدى هذه المرة، وحتى الآن، إلى مقتل 50 شخصاً خلال أربعة أيام الانفجار.

من هنا التساؤل هل ان لانفجار الصراع الأرمني – الأذري الذي خمد منذ عام 1994 علاقة مباشرة بالصراع في الشرق الأوسط؟ وهل يشكل جبهة جديدة في هذا الصراع؟

الجواب الروسي يقول ان تركيا هي التي حرّضت اذربيجان على العمل العسكري ضد ارمينيا لإحراج الرئيس بوتين الذي يعاني من تعدد الجبهات التي يصارع فيها ( أوكرانيا، والمقاطعة الاقتصادية الأوروبية، وانخفاض أسعار النفظ).

غير ان الجواب الاميركي – الأوروبي يقول شيئاً آخر. وهو ان اذربيجان التي تعتمد بنسبة 94 بالمائة من دخلها القومي على النفط، تواجه أوضاعاً مالية واقتصادية خانقة نتيجة انخفاض اسعاره، وان هذه الأوضاع انعكست اضطرابات اجتماعية خاصة بعد أن اضطرت الحكومة إلى فرض ضرائب تبلغ 20 بالمائة على التحويلات المالية، إلى جانب ضرائب عديدة أخرى. ولامتصاص النقمة الداخلية حولت الأنظار إلى قضية وطنية جامعة بالنسبة للاذريين وهي محاولة استرجاع ناكورني كاراباخ من أرمينيا.

أياً تكن الحقيقة، فان ثمة قنبلة موقوتة تلقى في ميدان الشرق الأوسط.. يمكن تفجيرها عن بعد.. حتى من وراء الأطلسي!!.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك