كتاب وأراء

ترامب.. والاعتراف الضمني بالهزيمة

(1)
في المناظرة الثانية بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، كان السؤال الأخير من أحد الحضور يكشف جوانب مهمة من الشخصيتين المتنافستين، على منصب الرئيس الـ(42) للولايات المتحدة الأميركية.
قال السائل: (على كل واحد منكما، ذكر ميزة إيجابية واحدة عن الآخر).
ضحك الحضور وصفَّقوا، وابتسم المرشحان وتردَّدا، وتمنى كل واحد منهما أن يكون منافسه هو البادئ بالإجابة عن هذا السؤال الصعب.
الأمر كان بالغ الصعوبة على السيدة هيلاري كلينتون، فهي قد بنَتْ حملتها الانتخابية في الأساس على شيطنة ترامب، وإبراز مخاطر وصوله للبيت الأبيض، فلم تترك سيئة أو نقيصة إلا نَسَبَتها إليه، ولم تترك في سيرته نقطة بيضاء أو بصيص ضوء.
الصورة التي رسمتها حملة كلينتون لترامب، أنه شخص شرير وعدواني ومتهور وعنصري ومتحرش بالنساء ومتهرب من الضرائب.
مع هذه الصورة المزدحمة بالسلبيات والملطخة بالسيئات، كان من الصعب على هيلاري أن تجد لنفسها نقطة بيضاء ولو على سبيل المجاملة لتُوفي بها حق الإجابة عن السؤال!
(2)
لم تجد هيلاري أمامها من خيار سوى أن تهرب بأناقة نسائية لامعة إلى الحديث عن أسرة ترامب بصورة إيجابية وتسجيل إشادة بها على اقتضاب. ترامب كان في كل مرة تتاح له فرصة الحديث عن هيلاري، لا يجد لها من السلبيات والتجاوزات الشخصية سوى قصة رسائل الإنترنت، والإشارة بسفور إلى مغامرات زوجها بيل كلينتون النسائية، إبان وجوده بالبيت الأبيض وقصته الشهيرة مع المتدربة مونيكا ليونسكي.
ترامب كان مباشراً وصريحاً حينما أجاب عن سؤال الميزة الإيجابية لهيلاري بأنها مناضلة شديدة البأس.
(3)
المناظرات الثلاث التي أُجريت في ماراثون الانتخابات الأميركية، أوضحت بجلاء الفارق بين المرشحين، وتحديد نقاط القوة والضعف لكليهما.
هيلاري ركزت بقوة على التخويف من وصول ترامب لمنصب الرئيس، أكثر من تقديم نفسها كجديرة بالمنصب ومؤهلة لقيادة الولايات المتحدة في هذه الظروف الدولية بالغة التعقيد. ترامب بمواقفه الهوجاء، وتصريحاته الخرقاء، كان مُضرّاً بنفسه أكثر من إضرار الآخرين به. بحديثه عن مغامراته الجنسية، فقد ترامب أكثر من (30) في المائة من أصوات النساء.
قبل انطلاق الماراثون الانتخابي، كسب ترامب كراهية الأعداء قبل حب المؤيدين، حينما شن هجوماً على المسلمين في الولايات المتحدة الأميركية.
(4)
في المناظرة الأولى في أقل من سبع دقائق، عبر طعنات سريعة وخاطفة، ذكرت هيلاري أن ترامب سبق أن تمت محاكمته في قضايا مُتعلِّقة بالتمييز العنصري، وأنه يُسيء للنساء، ويصفهنَّ بالكلاب!
وكشفت هيلاري أن ترامب مُنتَهِكٌ لحقوق العمل في شركاته، وأن ديونه لدى البنوك تتجاوز الـ(650) مليون دولار، وأنه كَذَبَ في حديث سابق عن شهادة ميلاد باراك أوباما.
وضربت هيلاري بقوَّة على تهرُّب ترامب من كشف إقراره الضريبي، وجاء تبرير الرجل مُعزِّزاً هذا الاتهام، وقال إن محاميه نصحوه بعدم كشف الإقرار!
- أخيراً-
الهزيمة بدأت تتسلل لروح ترامب وتسكن ملامح وجهه المتعجرف. عبَّر عن ذلك وهو يعترف بصورة غير مباشرة بخسارته الجولة الأخيرة من المناظرات.
أغلب الصحف الأميركية أبرزت قوله إنه قد لا يعترف بنتائج الانتخابات لعدم نزاهتها. لم يكتفِ ترامب بذلك الموقف الغريب عن السيرة التاريخية للانتخابات الأميركية؛ بل سدد طعنة هوجاء في الهواء، وهو يشكك في نزاهة المناظرة الأخيرة، وقال إن هيلاري اطّلعت على أسئلة المناظرة قبل بدايتها.
وسدَّد طعنة ثالثة أخطأت هيلاري وأصابته في الصدر، لتنفجر شلالات السخرية والاستهزاء، حينما قال إنه يشك في أن هيلاري استخدمت منشطات قبل المناظرة، نسبة للحيوية والنشاط الذي أدت به في الجولة الأخيرة من البداية إلى النهاية!
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال