كتاب وأراء

بريطانيا نموذجاً.. ما هي الملكية الدستورية؟

ماذا يعني ان تملك من دون أن تحكم؟ الملكة اليزابيت أجابت على هذا السؤال بعد ستين عاماً على العرش البريطاني. فهي مثلاً ليست مسؤولة عن نهاية الامبراطورية البريطانية التي ما كانت الشمس تغيب عنها. الا انها مسؤولة عن تأصيل وازدهار الديمقراطية البريطانية التي اصبحت مثلاً يحتذى.

لم تقف الملكة في وجه التغيير ولم تعترض عليه. فقد تقبلت بواقعية تحوّل بريطانيا من دولة استعمارية كبرى، إلى مجرد عضو في مجموعة دول الكومنولث. وهو تحول عقائدي وليس تحولاً سياسياً فقط. ذلك ان بريطانيا تحولت من حاكم عنصري لمجموعة كبيرة من الشعوب في آسيا وافريقيا، إلى عضو في أسرة واحدة تضم كل هذه الشعوب.

عاصرت الملكة اليزابيت طوال الستين عاماً على العرش، 13 رئيس حكومة بريطاني. وخلال هذه الفترة تداول على البيت الأبيض في واشنطن، 12 رئيس أميركي. وتداول على السدة البابوية في الفاتيكان ستة بابوات، من دون أن يرتفع صوت واحد في لندن يقول للملكة: إلى متى؟.

اعتلت اليزابيت العرش – ولم تتولّ السلطة – بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية. فعاشت الحرب الباردة بأخطارها وتوتراتها.. وعاشت كذلك الحرب الكورية، ثم الحرب الفيتنامية، وشهدت انهيار الاتحاد السوفياتي وتمزقه. ومن ثم سقوط جدار برلين واستعادة ألمانيا لوحدتها القومية. كما شهدت قيام الاتحاد الأوروبي وولادة اليورو. وتعاونت مع أول امرأة رئيسةً للحكومة مارغريت تاتشر، رغم انها قادت بريطانيا لأول حرب بعد الحرب العالمية الثانية ضد الأرجنتين حول جزر الفوكلاند.

لم تكن الملكة على وفاق مع تاتشر، ولكنها كانت تحترم سلطتها وتلتزم بها. كانت الملكة مثلاً تؤيد فرض العقوبات على جنوب افريقيا بسبب سياستها العنصرية، الا ان تاتشر كانت تعارض ذلك، ولأنها كانت صاحبة السلطة والقرار، فقد كان لها ما أرادت.

ولكن تاتشر عزلت تماماً بعد اصابتها بمرض الزهايمر (فقدان الذاكرة) وبعد أن ردت إلى أرذل العمر «لكي لا تعلم من بعد علم شيئاً». فيما انتصبت الملكة أثناء الاحتفالات مثل أنثى الطاووس. أما الحرب الثانية التي خاضتها بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية فكانت ضد العراق بقيادة رئيس الحكومة الأسبق طوني بلير، ولو ان دورها في تلك الحرب كان دوراً ثانوياً وتحت المظلة الأميركية.

لقد اعتلت الملكة اليزابيت العرش في الوقت الذي بدأت شمس الامبراطورية البريطانية بالأفول. خرجت من الحرب العالمية الثانية منتصرة ولكن مهمشة. ولكن الملكية بقيت وحدها رمزاً حياً للماضي التليد. وعندما احتفل البريطانيون بيوبيلها الذهبي وبذكرى ميلاها التسعين فانهم كانوا في الواقع يحاولون احياء هذا الماضي والتغني به على طريقتهم الاحتفالية. ولكن مما لا شك فيه ان سلوك الملكة اليزابيت واحترامها لمعادلة المُلك من دون سلطة، يساعد على المحافظة على صورة الماضي الجميلة. فكم من مرة اضطرت الملكة إلى بيع بعض مقتنياتها من التحف والممتلكات الشخصية من أجل تغطية التزاماتها الادارية والشخصية والتي ما كانت موازنة الدولة المخصصة لها تكفي لتغطيتها. وكم من مرة اضطرت إلى اتباع سياسة التقشف والى تسريح موظفين يعملون لديها من أجل تخفيف الضائقة المالية التي كانت تعاني منها..اما معاناتها الكبيرة فتقع في مكان آخر، وتحديداً في اسكوتلندة التي تتطلع إلى الانفصال.

في المتحف الوطني السكوتلندي في مدينة أدنبرة، تتصدر مدخل المتحف لوحة نقشت عليها عبارة من وثيقة «أريروث» التي صاغها السكوتلنديون في عام 1320. وتقول: «حتى لو لم يبقَ منا سوى مائة شخص فقط، لن نقبل تحت أي ظرف بأن نخضع لحكم الانجليز».

وعلى مدى ستة عقود من تبوئها العرش، لم تزر الملكة هذا المتحف.. ولكنها تعرف جيداً ما فيه.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك