كتاب وأراء

دبلوماسية الأنهار تجرف خلافات حدودية

لا تعترف الأنهار بالحدود السياسية، ولا تخضع لسياسات الدول، فهي عابرة للحدود، ومتجاوزة للاختلافات العرقية أو الدينية، ومتجاهلة للصراعات وللحروب العسكرية.

من أجل ذلك فإن الأنهار تفرض علاقات بين الدول التي تعبرها، متجاوزة ما بينها من توتر واضطراب.. وحتى من عداء.

فمنذ خمسين عاماً أقرّت دول أوروبية اتفاقية فيننا حول الملاحة في نهر الراين الذي يمرّ في العديد من هذه الدول.

وفي هذا العام (2016) تحتفل الدول الأوروبية بمرور 160 عاماً على اتفاقية باريس حول الملاحة في نهر الدانوب.

وتشكل الاتفاقيتان أساساً لتفاهم أوروبي بدأ قسراً تحت ضغط المصالح المشتركة، إلى أن أصبح خياراً، بعد الثمن المرتفع الذي دفعته الدول الأوروبية خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

اعتُمدت هذه الصيغة التفاهمية في كل من أميركا الجنوبية وفي جنوب شرق آسيا، ففي الثمانينات من القرن الماضي تمكنت كوستاريكا من صياغة سلسلة اتفاقيات بين دول وسط أميركا اللاتينية حول تقاسم الثروات النهرية المشتركة. وفي عام 2010 اتفقت الأورغواي والأرجنتين على تقاسم مياه نهر الأوروغواي، رغم ان المشاكل التاريخية السلبية بين الدولتين لا تزال تفرض بصماتها على العلاقات بينهما.

واعتُمدت هذه الصيغة أيضاً في جنوب شرق آسيا. ولعل أهم مظهر من مظاهرها هو الاتفاق بين دول حوض نهر الميكونغ، أكبر أنهار آسيا.

وتحاول الصين اليوم الدخول إلى هذا الاتفاق، غير ان هذه التجربة لم تصل إلى الشرق الأوسط بعد. أولاً من خلال عدم التفاهم التركي– العراقي– السوري حول توزيع حصص مياه نهري دجلة والفرات، وثانياً من خلال عدم التفاهم المصري– السوداني– الاثيوبي حول ضبط وتوزيع مجرى نهر النيل.

ولعل أخطر ما يواجه العراق اليوم هو احتمال انهيار سد الموصل على نهر دجلة، فقد أكد العلماء المختصون أن السد يتداعى وانه يحتاج إلى ترميم سريع، إلا ان احتلال داعش لمنطقة السد يحول دون ذلك. واذا انهار السد–لا سمح الله- فإن المياه المتدفقة سوف تغرق مساحات واسعة من شمال ووسط العراق، مما قد يؤدي إلى مقتل نصف مليون عراقي على الأقل!

ولا يقتصر خطر احتلال داعش على السد وحده. فالتنظيم الإرهابي يسيطر ايضاً على سدود صغيرة أخرى، كما يسيطر على أنابيب وخزانات النفط التي يشكل تفجيرها خطراً داهماً على مئات الآلاف من السكان.

أما بالنسبة لنهر النيل فقد عقدت في العام الماضي قمة مصرية– سودانية– أثيوبية في الخرطوم لإعادة النظر في اتفاقية توزيع مياه النهر في ضوء سد النهضة الكبير الذي تبنيه اثيوبيا، والذي يوشك على الانتهاء، وهذا يعني ان النيل الذي هو شريان الحياة في مصر، سوف يتراجع تدفقه المائي.. فيما يرتفع عدد سكان مصر باطراد حتى وصل اليوم إلى حوالي التسعين مليوناً.

هناك تجربتان ناجحتان في افريقيا حول تقاسم أنهار مشتركة، الأولى بين مالي وموريتانيا وغينيا والسنغال حول نهر السنغال، والثانية بين دولتي الكونغو وغامبيا حول نهر الكونغو.

لقد فرضت الأنهار نوعاً من التفاهم القسري بين الدول التي تقع على حوضها في مختلف القارات واستطاعت الدبلوماسية النهرية أن تحقق ما عجزت عنه الدبلوماسية السياسية، غير ان هناك استثناءات لعل أهمها وأبرزها تلك التي تتعلق بمطامع اسرائيل في المياه العربية.

فقد كانت روافد نهر الأردن التي تنبع من جنوب لبنان سبباً لأول عدوان اسرائيلي حربي في عام (1964) استهدف مواقع تحويل هذه الروافد المائية تنفيذاً لقرار القمة العربية. وعندما احتلت اسرائيل جنوب لبنان (1987-2000)، فإن أول ما قامت به هو جرّ مياه نهر الليطاني عبر أنابيب ضخمة –تحت الأرض- لريّ المزارع اليهودية في المناطق الشمالية في فلسطين المحتلة المتاخمة للبنان.

ثم انه عندما تطرح اسرائيل هويتها على انها دولة يهودية، فإن معنى ذلك ان حدودها السياسية تحددها التوراة، والحدود التوراتية تقول «أرضك يا اسرائيل من النيل إلى الفرات»؟!

من هنا فإن اسرائيل تبقى استثناء خارج دبلوماسية الأنهار التي تجرف في مجراها الكثير من خلافات وصراعات الدول المتجاورة.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك