كتاب وأراء

الإنسان .. غاية الغَد ووسيلتُه!

تشرفت جامعة قطر يوم أول أمس الأربعاء بزيارة صاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، هذه الزيارة التي قام بها سموه لهذا الصرح الوطني العريق في الدولة تعتبر علامة فارقة في تاريخ جامعة قطر، فلا غضاضة أن مستقبل هذا الوطن العريق الذي ينظر إليه كل سكان الأرض على أنه (جنة الأرض الواعدة) سيبني من سواعد هذه الأجيال التي يرعاها الله ثمّ الوطن من أجل بناء غد واعد مشرق.
انه مما لا شك فيه أن المجتمعات التي تزخر بالرخاء الاجتماعي والنفسي والاقتصادي تعيش في طمأنينة تجعلها تنتج بمقدار سنوات يتخطى عمرها الافتراضي، وقدرتها الحالية، ومما لاشك فيه أيضا أن هذا الجو البيئي النظيف يتأثر بطريقة أساسية بالمناخ السياسي الذي يسود البلاد، ومساحات الحرية المعطاة للمواطنين والمقيمين على أراضيها، بالإضافة إلى فتح أبواب الاستثمار الإنساني على مصراعيه لتحقيق الأهداف القصيرة والمتوسطة وطويلة المدى بطريقة تضمن للإنسان استمراريته بطريقة صحية على أرض هذه البلاد، وبناءً على اتفاقنا على الفقرة أعلاه وتسليمنا أن الازدهار نتيجة لحكومة عادلة وحكومة حكيمة نجد أننا محظوظون أننا نعيش عصرنا الذهبي في دولة قطر، فلا عجب أن تحسدنا الأمم على تطورنا السريع وقفزاتنا في كافة المجالات، حتى بات الشخص منا تتسارع خطاه كي تتناسق خطواته مع أهداف ومساعي الدولة في إنشاء جيل واعٍ بأهمية التنمية في كافة المجالات البشرية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، حيث تقوم رؤية قطر الوطنية 2030 على مبادئ الدستور وتوجيهات قيادتنا العليا لإرساء مجتمع أساسه العدل والإحسان والمساواة وحماية الحريات العامة والقيم الأخلاقية والدينية والتقاليد إلى جانب تحقيق تكافؤ الفرص وتكريس الأمن والاستقرار، فركائز التنمية هي ضمانتنا نحو المستقبل الذي يرسمه أمير البلاد المفدى خاصة أن الفترة الهيدروليكية سيجييء يوم وتنتهي ويبقى علينا أن نعتمد من الآن على مواردنا الأخرى لضمان استمرارية هذه البلاد.
قارئي العزيز، عندما كنا صغاراً كان يطلب منا في حصة التربية الفنية أن نرسم «قطر» فكان كل منا يجتهد على أن يرسمها من وجهة نظره «الاجتهادية» فكنت إذا أطللت على كراسات الرسم في يومها كنت تجد بحرا وسماء صافية ومركبا على بحر هادئ، وربما وجدت حديقة غناء بورود وتفاحات معلقة وأسرة تجلس تحت ظل شجرة كبيرة، كانت كراساتنا أيها القراء تعبر عن الوطن بهكذا براءة وهكذا روعة، ولكني خلت نفسي سأفهم الوطن أكثر عندما اكبر ويمتد عقلي ليصبح اكبر من دفات كراس الرسم وخلت أنني سأكتشف أشياء جديدة عن الوطن حتى أضيفها على الرسمة لتكتمل في عيني أكثر، لكني فشلت!
إن الوطن بكل براءة هو ذلك المكان الجميل الذي كنا نرسمه زمن الطفولة دون تعقيدات دون مبانٍ أو عمارات أو حتى مصاعد كهربائية، في الوطن نجد الأمان، تماما كالبحر الساكن في كراس الرسم، فقطر هي ذاتها الأمواج الساكنة التي تلطف المكان وترطب الجو العليل، ليس فقط لأبنائها فحسب بل لكل من تعلق بصدرها الحنون وحوته واحتوته وجعلته يمحو فكره انه أصبح بلا مأوى أو مكان.
الجميل أننا عندما كنا صغاراً كنا نصرخ في ساحات المدرسة ونحاول بعلو الصوت أن نردد وراء التسجيل «قسما، قسما، قسما بمن رفع السماء» كنا نتبارى أبناء الصف الأصغر مع أبناء الصف الأكبر حتى يضرب صوتنا آذان الآخر، كان الوطن ومازال ينتزعنا من كل الرغبات الساكنة إلى الثورة إلى المنافسة من اجل تقديم الأفضل، وهكذا كبرنا وكبرت معنا حنجرتنا الصغيرة وأصبحت الحنجرات أقلاماً وأنامل وعقولاً تدب في أرجاء قطر، تعمل في شكل منتظم من اجل غد أفضل لـ«قطر»، وفي الحقيقة لا اعرف كيف اعرف الوطن وأنا اكتب هذه السطور إلا أنني استطيع أن أقول انه مكان يمتد من القلب الأجوف إلى آخر حدود قطر!
قارئي العزيز، إن تركيزنا من الآن على تنميتنا البشرية يجعلنا ننخرط في تطوير وتنمية ذواتنا كي نتمكن من بناء مجتمع مزهر لنا ولأبنائنا في المستقبل القريب والبعيد، بالإضافة إلى أن الجهود التي سنتكلفها للتنمية المجتمعية ستؤدي بنا شيئا فشيئا إلى تحقيق مجتمع عادل وآمن مستند إلى الأخلاق الحميدة والرعاية الاجتماعية، قادر على التعامل والتفاعل مع المجتمعات الأخرى، كما تأتي التنمية الاقتصادية والتي تعتبر من الركائز الهامة التي ستساعدنا في الغد العاجل والآجل على تطوير اقتصاد وطني متنوع وتنافسي قادر على تلبية احتياجات مواطني قطر، بالإضافة إلى التنمية البيئية التي ستؤدي إلى تحقيق الانسجام والتناسق بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحماية البيئة.
نظرة سريعة على مستقبل بلادنا تحت ظل هذه الركائز التي جاءت بها رؤية 2030 تجعلنا نحس بالأمان في كافة المجالات، فخير من أن نعيش اليوم بيومه هو أن نخطط للغد الذي ينتظرنا جميعا، ويبقى أن الدولة لم تتوانَ عن توفير كل ما يلزم لضمان حقوق الأجيال القادمة في كافة المجالات ومن هنا علينا كشعب «مخلص» أن نحقق هذه الأهداف من خلال العلم والعمل، وحتى يكون لكل منا بصمته في مجال ما يحقق فيها ذاته ويحقق فيها نتيجة إضافية تضم للتنمية والتغيير إن شاء الله، فبلادنا «أحسنت ظنها بنا» وهل يكون منا جزاء الإحسان إلا بالإحسان!

اللهم وفق صاحب السمو الأمير واحفظ قطر وشعب قطر من كل مكروه.
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي