كتاب وأراء

عولمة الإرهاب .. من المسؤول عن السبب؟

في عام 2008 نشر عميل سابق في المخابرات الأميركية يدعى مارك ساغمان كتاباً عنوانه: «الجهاد بلا رأس LEADERLESS JIHAD» أو الجهاد العشوائي. كانت مهمة ساغمان في جهاز المخابرات إعداد العملاء في معسكرات سرية أقيمت في باكستان. وبعد أن أنهى فترة عمله عاد إلى الولايات المتحدة ليمارس مهنته العلمية الأساسية وهي التحليل النفساني.

يشكل كتابه الذي صدر قبل ثماني سنوات خلاصة لدراسة الحالات النفسية لحوالي 500 إرهابي، حاول من خلالها الإجابة عن الأسئلة التالية: من هم الإرهابيون؟ لماذا يهاجمون؟ وكيف يمكن إيقاف أعمالهم؟

الخلاصة التي خرج بها ساغمان في كتابه هي ان الولايات المتحدة من خلال الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها في العراق كانت تصب الزيت على نار الإرهاب.

فقد قسّم الكاتب الإرهابيين إلى ثلاث موجات:

الموجة الأولى متمثلة بتنظيم القاعدة التي قامت في الثمانينيات وكانت برئاسة أسامة بن لادن. إلا انها تلاشت تقريباً، وهي تقتصر الآن على مجموعة تعد بالعشرات تختبئ وسط القبائل في شمال شرق باكستان.

أما الموجة الثانية فقد تخرّج افرادها من معسكرات القاعدة في أفغانستان في التسعينيات، الا ان هؤلاء مطاردون براً وجواً (بواسطة طائرات الدرون- بدون طيار). وتؤكد التقديرات انه لم يبقَ منهم سوى حوالي مائة عنصر يعيشون مشردين على الحدود الباكستانية. ويصفهم ساغمان بأنهم خطرون جداً، ويقول انه يجب مطاردتهم وتصفيتهم، رغم انهم - والكلام له- لا يشكلون خطراً حقيقياً على الولايات المتحدة.. وبالتالي فانهم أصغر من أن يتسببوا في «صراع حضارات».

وأما الموجة الثالثة، الحالية، من الإرهابيين فان ساغمان يصفها بأنها مجموعات عشوائية بلا قيادة. وبخلاف ما كانت عليه الموجتان السابقتان اللتان تميزتا بان أعضاءهما من المتدينين ومن المثقفين دينياً، فان الموجة الحالية تتألف من عناصر هجينة يشكل الانترنت مصدر ثقافتها وتفجر غضبها صور يتم تناقلها عبر وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي لعمليات القتل - والتعذيب- التي ارتكبتها القوات الأميركية بحق مسلمين في العراق بصورة خاصة.

ويقول ساغمان أيضاً ان التواصل بين أفراد هذه الجماعة يتم من خلال كلمة سر، وفي غرف مغلقة. اما الحوافز لعمل هذه الجماعة، كما يقول المؤلف في كتابه، فهو ليس «التدين» إنما «الانتقام البطولي». ويصف هذه العناصر بأنها تشعر بالتهميش في مجتمعاتها، وبالملل في حياتها العامة.. وانها تتطلع إلى أداء عمل ما تبرر ذاتها من خلاله.

ويؤكد المؤلف الخبير في صناعة عملاء التجسس لحساب وكالة المخابرات المركزية الأميركية ان هذا الجيل - الثالث- من الإرهابيين ينطلق من الحاجة إلى الدفاع عن الذات وليس عن الدين، وإنه يهدف إلى القيام بأعمال بطولية ذاتية وليس إلى اعمال شرعية عامة.

ويلاحظ المؤلف ان كثيراً من أفراد هذه الموجة الجديدة لا يعرفون اللغة العربية ولا يقرأون القرآن الكريم. وفي تقديره ان 13 بالمائة فقط منهم التحقوا بمدارس دينية. وأنهم جميعاً، أو على الأقل معظمهم التحق بهذه الموجة من الإرهاب عن طريق شخص يعرفونه أو ينتسبون إليه.

وفي تقديره ايضاً ان معدل عمر الإرهابي (في عام 2003) كان 26 عاماً، اما الآن فان معدل عمره انخفض إلى العشرين عاماً. وهذا ما يفسر لجوء الإرهابيين إلى ارتكاب العمليات الانتحارية على نطاق واسع، فهم - يقول المؤلف- أقرب ما يكونون إلى العصابات القبلية منهم إلى المتشددين الإسلاميين.

ويلقي المؤلف المسؤولية الأولى في انطلاق هذه الموجة الثالثة من الإرهابيين على الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في العراق. ويقول ان تلك الأخطاء تسببت في ما سماه «عولمة الإرهاب».

ينصح المؤلف بعد هذا العرض التحليلي العميق إلى تقديم النصيحة التالية؛ وهي حرمان الإرهابيين من الشعور «بأهمية» الأعمال الإرهابية التي يرتكبونها. وبالتالي حرمانهم من «التمتع» بنتائج هذه الأعمال.

وعلى الرغم من ان هذا الكتاب التحليلي للموجة الثالثة من الإرهاب، صدر قبل ثماني سنوات، فان انتشار جماعات وخلايا إرهابية محلية في إفريقيا وآسيا وحتى في أوروبا، يشير إلى أهمية ما ذهب اليه المؤلف. فقد جمع ساغمان بين خبرته في العمل طويلاً في باكستان مع المخابرات المركزية الاميركية، وثقافته العلمية كمتخصص في علم النفس.

من هنا أهمية التأكيد على الأمر التالي؛ وهو ان مقتل هذه الجماعات الإرهابية يكمن في أمر أساسي وجوهري، وهو فك أي ارتباط لها بالدين.. كما هو الواقع فعلاً.

بقلم : محمد السماك

محمد السماك