كتاب وأراء

حتى لا يكون الإنسان قنبلة موقوتة

تقرر إجراء دراسة طبية حول أطفال اللاجئين السوريين إلى لبنان. تقوم بالدراسة ثلاث هيئات طبية هي جامعة كوين ماري في لندن، وهي التي تتولى الإشراف على الدراسة، بالتعاون مع مؤسسة أطباء العالم MEDECINS DU MONDE. والمعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة الذي يقوم بتمويل الدراسة. وكلية الطب في جامعة البلمند في لبنان التي تقوم بتنفيذها.
تهدف الدراسة إلى الاجابة عن السؤال التالي: هل تؤثر حالات الرعب والخوف التي يمر بها الأطفال خلال الصراعات المسلحة (الحرب في سوريا وعليها) في تغيير الحامض النووي (DNA)؟ وما هي مضاعفات ونتائج هذا التغيير على مستقبل هؤلاء الأطفال، وتالياً على المجتمع؟ وهل يمكن معالجة المتغيرات وهي لا تزال في مراحلها الأولى؟ ولماذا يتأثر بعض الأطفال ولا يتأثر بعضهم الآخر؟. هل ان لذلك علاقة بتركيبة الحامض النووي؟.
تقول دراسة أميركية رسمية ان الولايات المتحدة تعرضت منذ حادث 11 سبتمبر 2001 إلى 300 حادث أمني ارتكبه متطرفون إسلاميون. وتقول الدراسة ايضاً إن واحداً من كل عشرة متهمين بارتكاب هذه الحوادث ثبت أنه مصاب بمرض عقلي أو نفسي. فهل أن المتغيرات في تركيبة الحامض النووي المترتبة عن حوادث الرعب والخوف والقلق تعرض الإنسان العادي إلى التحول إلى مشروع إرهابي؟ وبالتالي هل أن الايديولوجيا تلعب دوراً ثانوياً في موضوع ممارسة الإرهاب؟، وهل تحتل المتغيرات في تركيبة الحامض النووي دوراً أساسياً أكثر أهمية؟
قد يكون من السابق لأوانه التسرع في تقديم إجابات على مثل هذه الأسئلة. غير ان ثمة سوابق يجدر التوقف أمامها. منها مثلاً ان مرتكب جريمة بوسطن تامبريان سارانيف التي استهدفت احتفالاً رياضياً في مسابقة للركض في عام 2013، لم يكن إسلامياً متشدداً، بل كان رياضياً فاشلاً. كان هدفه أن يكون بطلاً في الملاكمة. وان تنشر صوره إلى جانب صور نجمات السينما الهندية (بوليود). ولكن فشله المستمر، أصابه بحالة شديدة من الإحباط وخيبات الأمل؛ وزاد الطين بلة انه كان مهاجراً عاطلاً عن العمل. فكانت جريمته التي ارتكبها بالمشاركة مع شقيقه، محاولة للانتقام من واقعه. ولكن لانه كان مسلماً، فقد وصفت جريمته بأنها إرهاب إسلامي!!..
وكذلك الأمر مع نضال حسن مرتكب جريمة معسكر فورت هود في عام 2009 في الولايات المتحدة. فالقاتل لم يكن متشدداً إسلامياً، ولكنه كان يتيم الأبوين غير متزوج ويعيش وحيداً من دون أصدقاء، ولما عرف بأنه سوف ينقل للخدمة العسكرية في افغانستان، اكتملت دائرة الاختناق حول عنقه فكانت الجريمة التي أودت بحياة 13 عسكرياً من رفاقه! وقد حمل الإسلام وصمة جريمته على خلفية أنه كان مواطناً أميركياً مسلماً.
وهذا ما حدث مع عمر ماتين الأفغاني الأصل والمولود في نيويورك، فقد كان شاذاً جنسياً، وكان يعبّر عن مرضه بالعنف الشديد حتى تجاه زوجته. والمخابرات الأميركية المحلية كانت تعرف أنه قنبلة بشرية موقوتة.
وحتى المسؤول عن تدبير العملية الإرهابية في مومباي في عام 2008 داود هيدلي التي أدت إلى مقتل 160 شخصاً، لم يكن على شيء من الإسلام. كان متعدد الزوجات والصديقات وكان طموحه أن يلعب دور جيمس بوند. وبسبب كراهيته للهند على خلفية رفض فتاة هندية أن تكون صديقة له، نظم من شيكاغو في الولايات المتحدة عمليته الإرهابية. وساعده على ذلك، توفر وسائل الاتصال الالكترونية الحديثة.
خلال زيارته الأخيرة لهيروشيما، ألقى الرئيس الأميركي باراك أوباما خطاباً قال فيه: «لقد مكّنتنا العلوم من التواصل عبر البحار، ومن الطيران فوق السحاب، ومكنتنا من معالجة أمراض ومن فهم الكون. ولكن هذه الاكتشافات ذاتها يمكن ان تتحول إلى أداة للقتل أشد فعالية».
من هنا السؤال: هل يستطيع العلم ان يسبر أغوار الحوافز النفسية المعقدة كما يصفها الفيلسوف مانويل كانط، وان يقف أمام المتغيرات التي يمكن ان تعيد صياغة سلوك الإنسان، لمعالجتها قبل استفحالها؟ وهل تقع الدراسة الجينية الجديدة التي تجرى على أطفال المهاجرين السوريين في لبنان في هذا الإطار العلمي، أم أنها تقتصر على معرفة أسباب التوترات قبل استفحالها.. وانفجارها؟.. وبالتالي هل سيكون ممكناً علمياً سحب فتيل التفجير من بداياته.. من خلال الحامض النووي للإنسان الذي يتعرض في طفولته للخوف والقلق والرعب أو للحرمان والنبذ والاضطهاد؟

بقلم : محمد السماك

محمد السماك