كتاب وأراء

أذربيجان وأرمينيا: بؤرة دموية جديدة

رغم كل متاعب وهموم الشرق الأوسط، فان مشكلة جديدة بدأت تقرع أبوابه. أطراف هذه المشكلة هم إيران وتركيا والاتحاد الروسي، وهم اللاعبون الأساسيون في هموم المنطقة. صحيح ان مسرح المشكلة بعيد نسبياً، وهو اقليم ناكورني كاراباخ في قلب أذربيجان، الا ان أطراف المشكلة الثلاثة (اضافة إلى ارمينيا واذربيجان) منغمسون في وحول الشرق الاوسط. والمساومات السياسية (أو الصدامات العسكرية) حول تقرير مصير الاقليم المتنازع عليه سلماً أو حرباً، تأخذ موقعها البارز في مسرح الصراع فوق طاولة المساومات السياسية التي تدور في الشرق الأوسط.

في الأساس يشكل اقليم ناكورني كاراباخ جزءاً من اذربيجان، وهو يقع في وسطها، الا ان سكانه من الأرمن. في عام 1988 قامت حركة انفصالية تسببت في حرب أذرية- ارمنية أودت بحياة 30 ألف شخص. في عام 1994 تم الاتفاق على وقف النار بانتظار تقرير مصير المنطقة المتنازع عليها والتي تشكل 14 بالمائة من مساحة أذربيجان. استمر الالتزام بالاتفاق حتى الأسبوع الماضي عندما انفجر القتال من جديد.

دخل على خط الأزمة كل من تركيا وإيران. فأبدت تركيا دعمها لأذربيجان، ووقفت إيران إلى جانب ارمينيا. التأييد التركي جاء على خلفية الاصول التركية للأذريين، والتخلي الإيراني عنها، رغم شيعيتها، جاء على خلفية التخوف من قيام اذربيجان الكبرى. ذلك ان شمال إيران معظمه من الأذريين الذين يتماهون قومياً مع أذربيجان.

كذلك دخل على هذا الخط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فكما وظف مخاوف الرئيس السوري بشار الأسد من أن تطيح به المعارضة، فأقام لروسيا قواعد عسكرية فيها، كذلك وظف بوتين مخاوف أرمينيا من أن تخسر معركتها القومية في ناكورني كاراباخ، فعقد معها معاهدة تعاون عسكري اقامت روسيا بموجبها قاعدة لها تضم خمسة الاف جندي بشكل دائم.

غير ان الصراع الروسي- التركي يجعل من التحالف الروسي مع ارمينيا ومن التحالف التركي مع أذربيجان مصدراً اضافياً للتصعيد السياسي، وربما العسكري ايضاً.

ولأن اذربيجان تجد نفسها محشورة بين إيران من الجنوب وأرمينيا - التي تنعم بالمظلة العسكرية الروسية- من الشمال، فقد عمدت إلى تعزيز قواتها المسلحة. ورفعت موازنتها العسكرية من 177 مليون دولار في عام 2003، إلى 3.4 مليار دولار في عام 2013.

غير ان مشكلة أذربيجان هي مشكلة سياسية وليست عسكرية. وتكمن طبيعة المشكلة في الموقف الأوروبي – الأميركي. فبالمقارنة مع أوكرانيا، فان اذربيجان تتساءل بألم وحيرة: لماذا يعارض الغرب الموقف الروسي في شرق أوكرانيا وفي شبه جزيرة القرم، ويسكت عن هذا الموقف المماثل في ناكورني كاراباخ؟ ولماذا يؤيد الغرب حق أوكرانيا في استخدام القوة العسكرية للدفاع عن أراضيها، ويفرض عقوبات اقتصادية ومالية على روسيا للضغط عليها، وفي الوقت ذاته يدعو أذربيجان إلى الصبر والامتناع عن أي رد فعل عسكري رغم احتلال القوات الأرمنية ما يعادل 14 بالمائة من مساحتها؟

يقول الرئيس الاذري علي علييف: ان الحرب مع أرمينيا لم تنته. ويرد الرئيس الارميني سركيسيان متحدياً بأنه لا عودة إلى الوراء.. وان من حق ناكورني كاراباخ ان تقرر مصيرها بمعزل عن أذربيجان. جغرافياً لا يمكن لأرمينيا ان تضم اليها هذا الاقليم الذي يقع بعيداً عن الحدود، وفي وسط أذربيجان. ولذلك تطالب باستقلاله لمجرد ان أكثرية سكانه من الأرمن. وذلك بعد ان هاجرت الأقلية الأذرية من الاقليم اثناء القتال.

وبالفعل فان الرئيس الارميني وجه في سبتمبر من العام الماضي رسالة تهنئة إلى قادة الاقليم بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لإعلان الاستقلال عن أذربيجان، قال فيها ان هذه الحقيقة لا عودة عنها ابداً.

حاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التوسط وفشل. وحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وفشل ايضاً، رغم انه جمع الرئيسين علييف وسركيسيان في قمة ثلاثية عقدت في منتجع سوشي في شهر أغسطس من عام 2014.

وهذا يعني ان الأزمة معرضة للانفجار من جديد، وقد انفجرت فعلاً في الأسبوع الماضي. وأبطالها الخارجيون ( تركيا وروسيا وإيران) هم أنفسهم الأبطال الخارجيون الذين يتصارعون على الشرق الأوسط.. وفيه.



بقلم : محمد السماك

محمد السماك