كتاب وأراء

أهل الموصل.. أي مصير يحيق بهم؟

منذ البداية كانت الموصل عنوانا لقصة فشل سياسي؛ فشل دولة بجيشها الجرار وقواتها الأمنية في حماية المدينة وأهلها. في غمضة عين سقطت ثاني أكبر مدن العراق بيد تنظيم إرهابي. وترك سكانها تحت رحمة الإرهابيين لأكثر من عامين.
منذ أيام انطلقت حملة تحرير المدينة من حكم «داعش». لكن ماذا حصل خلال العامين الماضيين، ومن يتحمل المسؤولية؟
عشرات الآلاف نزحوا عن بيوتهم، وخسروا مصادر رزقهم، ودفعوا من دمهم وشرفهم أثمانا باهظة.قتل الآلاف على يد عصابة متجبرة، فرضت على سكان الموصل حكما متوحشا.أقليات طائفية كانت تعيش في المدينة منذ عقود طويلة هجرت بلدها نهائيا، وتفرقت في بلاد الغربة البعيدة.
حملة تحرير المدينة لن تكون نزهة؛الآلاف على موعد مع خطر الموت، ومثلهم سيغامرون بحياتهم للهروب من الجحيم، ومن يبقى في المدينة بعد التحرير، لا يعلم ما الذي سيلقاه على يد مليشيات طائفية تستعد للانتقام من التاريخ.
الذين سلموا مفاتيح المدينة لعصابة داعش، هم ذاتهم من يحشدون لتحريرها. ألم يكن بالإمكان تجنب هذه المأساة قبل أن تقع؟ وثمة سؤال يقلق أكثر من غيره، لماذا تترك مدن بعينها نهبا لعصابات الإرهابيين، ولا يدافع عنها ما يقال أنه جيش وطني مهمته حماية جميع العراقيين بصرف النظر عن هوياتهم الطائفية والإثنية؟
وحين تحين ساعة التحرير لا نجد غير المليشيات الطائفية لخوض المعارك، وفرض سلطتها على المدن المحررة. في الموصل كما في الفلوجة والأنبار، دخلت المليشيات قلب المدن قبل الجيش الجرار. النصر سجل باسمها لا باسم جيش الوطن الواحد.
هي خطة خبيثة، لتحطيم بنية المدن السنية، وتهشيم تركيبتها السكانية، وتحويل أهلها إلى نازحين ولاجئين، والسيطرة على مواردها الطبيعية.
في الموصل تبدو الخطة أكثر تعقيدا، بالنظر إلى تعدد القوى المتصارعة على مستقبل المدينة.حكومة بغداد تقاتل وفي ذهنها سيناريو خاص. حكومة كردستان، لا تخفي مطامعها بنفط المحافظة. تركيا في المرصاد للطرفين، ولا تريد للكرد أن يبالغوا في أحلامهم.
لم يعد السؤال، هل يخسر تنظيم «داعش» معركة الموصل، فهذا أمر مفروغ منه. السؤال من يفوز بالمدينة؟ وأي مصير ينتظر سكانها بعد التحرير؟
أميركا في قلب المعركة، فقد نشرت الآلاف من جنودها على الأرض، ولطائراتها القول الفصل في سماء في المعركة. لكن واشنطن بلا تصور ناضج للمستقبل. جل اهتمامها وهي تمر في مرحلة رئاسية انتقالية، تسجيل نصر على الإرهابيين، ليكون عنوانا لخطاب الوداع في البيت الأبيض، وورقة رابحة للديمقراطيين في الانتخابات شبه المحسومة.
سؤال ما بعد التحرير، لا يؤرق الإدارة الأميركية، بالرغم مما نسمعه يوميا من تصريحات صحفية. والمرجح أن التنظيم الإرهابي يفهم ما يدور حوله، ويريد الخروج من معركة الموصل بأقل الخسائر، ليعيد ترتيب صفوفه لمعارك قادمة، كما فعل ذلك مرارا.
قادة التنظيم وكوادره الرئيسية غادروا المدينة منذ أسابيع، على ما تفيد تقارير ميدانية، وانتقلوا إلى جبهات أخرى في العراق وسورية. المدينة تركت لأبناء المدينة من اعضاء التنظيم ليقاتلوا أو يندسوا بين جموع المدنيين، فيما الطرقات والجسور مزروعة بالقنابل المفخخة، لإيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوف القوات العراقية والمليشيات.ويعلم الله كم ستكون حصة المدنيين الأبرياء من ضحايا مفخخاتهم تلك.
أما سكان المدينة الصامدون فأقصى ما ينتظرهم، مخيمات لجوء جرى تشييدها على عجل على أطراف المحافظة الممتدة على مساحة سهل نينوى. مخيمات لا تكفي إلا لنحو عشرين ألف عائلة كما صرح مسؤول في الأمم المتحدة.
بعد طول معاناة تحت حكم الدواعش المتوحشين، وفشل حكومي في حماية المواطنين، لا ينال السكان الأبرياء من حرب التحرير «المجيدة» غير وعد بخيمة بعيدا عن بيوتهم.

بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان