كتاب وأراء

دور المال في الانتخابات الأميركية

لكل حالة عامة استثناء

الحالة العامة هي ان امتلاك الثروة المالية يؤثر على عملية اتخاذ القرار عند رجال السلطة، كما يؤثر على عملية التشريع عند رجال البرلمانات.

هذا ما توصلت اليه دراسة أعدتها مراكز دراسات وابحاث قامت بها مجموعة من الباحثين في الجامعات الأميركية (كاليفورنيا وبيركلي وإليونيس، مع جامعة تورنتو الكندية).

في الاساس لاحظت الدراسة ان العضو في أي من مجلسيْ التشريع في الولايات المتحدة، وهما مجلس النواب ومجلس الشيوخ، غالباً ما يكون عشر مرات أكثر غنى من الاميركي العادي. وان امتلاك الثروة ليس مجرد أمر شخصي. انه يعبر عن ذاته في المواقف السياسية وفي الأعمال التشريعية، بل انه يعبّر عن ذاته حتى لدى العامة من الناس.

وتبين الدراسة أيضاً ان طريقة تفكير الأغنياء من الساسة ومن المشرّعين تختلف عن طريقة تفكير محدودي الدخل منهم، وان هذا الاختلاف ليس مقتصراً على المشتغلين بالسياسة فقط، بل انها حالة اجتماعية عامة. ولت أكيد ذلك، أو للتأكد من ذلك، أجريت دراسة على مخالفات السير، فتبين ان السائقين الذين يقودون سيارات مرفهة غالية الثمن يرتكبون مخالفات تصل إلى 30 بالمائة أكثر من المخالفات التي يرتكبها سائقو السيارات العادية.

وان المجموعة الأولى –اي مجموعة الأغنياء- تنتهك حقوق المشاة في الشوارع بنسبة 45 بالمائة أكثر من الثانية ( مجموعة محدودي الدخل).

وخرجت الدراسة الجامعية بالاستنتاج العام التالي، وهو ان الشعور بالحرية الزائدة المترتبة سواء عن الموقع المرموق في الدولة والمجتمع، أو عن امتلاك ثروة مالية كبيرة، يقف وراء السلوك الذي يتجاوز القانون وحقوق الآخرين.

وتؤكد الدراسة ان امتلاك الثروة يغير القادة السياسيين نوعياً. وفي ضوء ذلك طرحت الدراسة سؤالاً: هل تستطيع مثلاً هيلاري كلنتون مرشحة الحزب الديمقراطي للرئاسة الأولى في الولايات المتحدة ان تمثل مصالح الطبقة العاملة، عندما تكون هي وزوجها الرئيس السابق بيل كلنتون قد حصلا على تبرعات مالية كبيرة جداً من المؤسسات المالية والاقتصادية في وول ستريت (حيّ الأعمال في نيويورك)؟ بل هل يستطيع المليونير دونالد ترامب المرشح عن الحزب الجمهوري أن يدافع عن مصالح هذه الطبقة من المواطنين بصرف النظر عن آرائه العنصرية الشاذة؟.

ان دراسة موضوعية لمواقف أعضاء مجلسي الكونغرس الأميركي ( الشيوخ والنواب) تؤكد تأثر قراراتهم بمصادر تمويل حملاتهم الانتخابية من مؤسسات وشركات مالية وصناعية كبرى.

وتذهب الدراسة إلى حد القول ان امتلاك الثروة هو المدخل إلى هيكل السياسة الأميركية وانه كلما كان السياسي شديد الثراء، وعلى علاقات مع اصحاب المليارات، يكون أقوى نفوذاً واشد حضوراً داخل الإدارة، وداخل مجلس الشيوخ.

ومن خلال هذه الدراسة يمكن تسجيل الأمرين التاليين:

الأمر الأول هو ان صاحب القرار الأول في الولايات المتحدة هو الرئيس الأميركي. ولذلك فان ما ينفق على عملية انتخابات الرئيس من أموال ( لا سقف محدود للإنفاق) يعكس مدى اهتمام الطبقة الغنية في وصول رجل متعاطف معها ومتصالح مع مصالحها إلى البيت الأبيض.

اما الأمر الثاني فهو ان جماعات اللوبي الكبرى (لوبي صناعة الأسلحة مثلاً) تخصص موازنات ضخمة لتمويل مرشحها للرئاسة، ومرشحيها للكونغرس. ولذلك كلما تقدمت مراحل الانتخابات الرئاسية الأميركية، يزداد التنافس على الانفاق، ويزداد حجم الانفاق.

ولم تعد القضية تتعلق بالاشخاص وبسلوكهم ولكنها أصبحت تتعلق بالمؤسسات الخلفية التي تصنع الرؤساء والمشرّعين وتفتح امامهم الأبواب إلى السلطة بقوة المال.

ان رئيساً أميركياً وأعضاء مجلس شيوخ يصلون إلى سدة صناعة القرار في الولايات المتحدة عن هذا الطريق ليس شأناً أميركياً داخلياً فقط. ذلك ان قراراتهم ومواقفهم تتعلق بمصالح دول العالم كله وتؤثر فيها وعليها.

ولكن أياً من هذه الدول لا يستطيع الا ان يتكيف مع هذا الأمر الواقع!!.



بقلم : محمد السماك

محمد السماك