كتاب وأراء

جمال لا يراه الناس

ما هي المواصفات التي تريدها في عروس المستقبل أو عريس المستقبل؟ من بين عشرة اشخاص يوجه اليهم هذا السؤال من الجنسين توقع ان تكون إجابة ثمانية منهم تقريبا هي «الجمال- والوسامة- في المقدمة.. ثم الثراء والكرم وخفة الظل والتدين والاخلاق إلى آخره»، لقد جرت العادة في مصر قديما وربما حتى الآن أن تلتقط صورة للزوجين بعد عقد قرانهما مباشرة، لكن «أحمد امين» أشهر الادباء في القرن الماضي شذ عن هذه القاعدة في ذلك الوقت، وذهب إلى المصور متأبطا بضعة كتب استند عليها بدلا من العروسة، وكتب خلف الصورة التذكارية أنه اختار الكتب رمزا وشعارا، كما كتب أيضا وراء الصورة «أرجو من الله ان يوفقني إلى عمل عظيم أنفع به أمتي»، ولم يشر ولو اشارة عابرة إلى الحدث الذي دفعه لزيارة المصور في ذلك الوقت، وهو حدث مهم في حياة كل إنسان «الزواج» كما ذكر ابنه في مذكراته والذي وصف أباه بأنه رجل قليل الكلام، قليل المرح، يأخذ الحياة مأخذ الجد، ولا يجد متعة حقيقية الا في القراءة والكتابة، والزواج في نظره لا يستلزم الحب، بل هو لمجرد اكمال الدين وتكوين أسرة، رجل يقضي وقتا طويلا في تصفح كتاب قبل الاقدام على شرائه ولكن ليس لديه فضول لرؤية من ستشاركه الحياة قبل أن يرتبط بها، وفي ما بعد كتب في دفتر يومياته بأنها تفتقر للجمال، وكرر هذه الكلمة مرات عديدة، ولكن باللغة الانجليزية، خوفا من أن تقع في يدها وتسوء الامور، ولم يخطر بباله أن امرأة لم تكمل تعليمها ولا تعمل، ومع ذلك أستطاعت ان توفر من المصروف المخصص لها من قبله عاما بعد عام، وان تقنعه ببيع المنزل المكون من طابقين الذي يعيشون فيه لها وان تسجله باسمها، ثم في ما بعد تقبض إيجارا شهريا ثمن إقامته وإقامة اطفاله واطفالها الثمانية.. لم يخطر له ان امرأة بهذا الذكاء وهذا الدهاء.. قادرة على ان تحمل احدا ما لترجمة تلك الكلمات الانجليزية المدسوسة بين الاسطر العربية أو ان تفهمها من سياق الموضوع، وصرح أديب أميركا «أرنست همنغواي» من واقع تجربته في الحياة: «أن الإنسان الحكيم لا يتزوج من أجل الجمال وحده، فقد يكون للجمال جاذبية قوية في البداية، ثم يثبت بعد ذلك عدم اهميته النسبية، والزواج من شخص وسيم بلا شخصية لا تزينه العاطفة ولا طبيعة طيبة خطأ جدير بالرثاء، فكما يحيل التعود المنظر الطبيعي الجميل إلى شيء ممل، كذلك يتحول الوجه الجميل إلى شيء ممل، الا إذا كانت هناك طبيعة ما تشرق من خلاله، فجمال اليوم يصبح شيئا عاديا، أما الطبيعة «الطيبة- البساطة- الرقة- الدماثة» التي تكمن في الملامح العادية فهي جميلة للأبد، ولعل من الطبيعي بعد ذلك ان يصل كل من اشترط الجمال في شريك العمر غافلا عن المزايا الاهم إلى نهايتين لا ثالث لهما: الانفصال المعلن أو.. غير المعلن.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري