كتاب وأراء

فلسفة إلغاء الآخر

ذات مرة سألت عضوا بأحد مجالس الشورى في دول مجلس التعاون عن رأيه في موضوع مهم كانت قد انفردت بنشره إحدى الصحف في بلاده فقال لي إنه لا يقرأ تلك الصحيفة، لم يخبرني عن السبب ولكني علمت فيما بعد أنه يتخذ منها موقفا لأسباب شخصية. لم أدخل معه في جدال ولكني أوصلت إليه أن عليه بحكم وظيفته أن يتابع كل ما ينشر في كل الصحف والمطبوعات ووسائل التواصل الاجتماعي وكل وسائل الإعلام، خصوصا الموضوعات التي تعبر عن مشكلات الناس وآلامهم واحتياجاتهم وإلا فكيف يمكنه توصيل ما يعانون منه إلى حيث تصنع التشريعات والقوانين؟
مقابل هذا العضو فوجئت بزميل له يتابع كل ما ينشر في صحيفة معروف أنها اتخذت منه موقفا فلا تنشر أخباره ولا صوره ولا تصريحاته مهما كانت أهميتها، وعندما سألته كيف بإمكانه أن يطالع تلك الصحيفة قال إنها تظل في النهاية مصدرا من المصادر التي أعرف من خلالها أحوال الناس فأتمكن من خدمتهم، وقال أيضا إن الصحيفة تتخذ منه هو موقفا وليس من عامة الناس ليقاطعها.
صورتان متناقضتان يتوفر مثلهما الكثير من الأمثلة في مجتمعاتنا الخليجية بشكل عام، إحداهما تؤكد أن للموضوعية مكانا فيها وإن لا زالت المساحة التي تشغلها صغيرة، والثانية تؤكد أن السائد هو أسلوب إلغاء الآخر المختلف معه حتى لو كانت الأسباب واهية، فأنت تحظى بالقبول مني طالما كنت على رأيي ولا تختلف معي.
في هذا السياق أخبرني أحدهم أنه شارك أخيرا بمقتطف في «قروب» يضمه وآخرين من «النخبة» وفوجئ بأن صديقا له اعتبر المقتطف الذي يبين رأيا سياسيا عربيا يتخذ منه - كما الكثيرين - موقف إعلاء من شأنه وأنه كان الأفضل عدم الاستشهاد برأيه وإن كان صحيحا ويؤكد ما نحن مقتنعون به وعلى صواب.
هي إذن إشكالية إلغاء الآخر الذي نختلف معه أو نتخذ منه موقفا لسبب أو لآخر، من دون أن ننتبه إلى حقيقة أن تساوي أفكارنا أمر غير ممكن الحصول ولا يصب في صالحنا كأفراد ننتمي إلى مجتمع واحد.
التخلص من هذا النوع والمستوى من التفكير السائد والمسيطر على مجتمعاتنا الخليجية، والعربية أيضا، والوصول إلى مرحلة النظر إلى الأمور بموضوعية يستوجب مراجعة أنفسنا بعقد حلقات نقاشية مثلا يشارك فيها الجميع وتعيننا على التوصل إلى قناعة جماعية بأن إلغاء الآخر يعني إلغاء أنفسنا أو جزءا منا حيث الآخر شئنا أن أم أبينا يكملنا، ونحن وهو نعمل لصالح عالم واحد لا يمكنه أن يتطور وينمو لولا اختلافنا في وجهات النظر واختلاف الزوايا التي ننظر من خلالها إلى الأمور.
هنا مثال للتوضيح ليس إلا. لو أن أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله قال في أحد خطبه كلاما يعزز من بعض أفكارنا ويؤيدها فهل نستشهد بكلامه أم نقول إنه «في المقاطعة» وبالتالي فإن الصحيح الذي يقوله خطأ ونرفضه ولا نحاول أن نستفيد منه؟
بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن