كتاب وأراء

المشهد الأخير

البداية:
«مايشبه لنورة إلا منظرة نورة»
متن:
رضيت الفراق وآمنت به.. وصافحته
ماعاد يبكيني
اعتدته وأنتِ تعلمين أن أقدارنا قادتنا لذلك..
سنوات كثيرة مضت ماعشناها معًا..
مارست برّك بالدعاء
وزاولت عقوقي بالفراق
لكنك تعلمين يا أمي..
أنني أحيا بك رغم قلة اللقاء
كانوا عندما يرشقون أحدهم يقولون «تربية مره»
ومن سذاجة المنعوت بها يستشاط غضبًا
ماكنت أجد سببًا لذلك
فأنا تربية امرأة عظيمة ببساطتها وحبها للحياة،
تقضي الليل في محرابها تسأل الله لطفه ورحمته
رغم نقاء قلبها الذي لايتسع إلا للحب والحنان
أنا ابن تلك العظيمة التي لم يكسرها الزمن رغم قسوته
ولم تنحنِ للظروف القاحلة،
علمتِني أن اليتم قدر
وأن الفقد ألم
وأن بالصبر كل الجروح.. تندمل
علمتِني أن الغياب لايقتل الحب..
وعلمتِني أن الحب الصادق لاينتهي..
وأن السعادة موطنها صفاء السريرة..
وأن لك في هذه الحياة خيارات.. مارسها كما تحب شريطة ألا تجرح أحد
وعندما كان ينهاني أخي الأكبر عن الكتابة
كنتِ تمنعينه من ذلك..
تشترين لي الأقلام وتُسطرين لي الدفاتر
مع أنكِ لاتقرئين..
ماذا حدث؟
لماذا سعادتي بالحياة ناقصة
طال الغياب وعدنا
وبالمشهد الأخير زاد وجعي..
لماذا زادت التجاعيد في يدك..
ولماذا أقدامك لاتقوى النهوض!!
مشهد السرير الأبيض لايليق بكِ
مسرح الحياة وربيعها هو مكانك
أتقبل فكرة أن يغزو الشيب رأسي..
لكني لا أريد للسنين أن تُثقل جسدك
لا أريد لعينيك أن تشيخ.. ولا لوجنتك الذبول
أريدك فتية بصحتك وعافيتك..
أريدك كما كنتِ دائمًا شابة تعشقين الجمال وتنشدينه
ليت لي قدرة على إيقاف الزمن..
أو إعادة مامضى وتغيير التفاصيل
لأجهضت كل محاولات البعد واختصرت المسافة..
وعشت الأيام بقربك
لكن للحياة مفاهيم وأقدار..
ترسم لكل منّا مساره ولانقوى على شيء
«وماتدري نفس ماذا تكسب غدًا وماتدري نفس بأي أرض تموت»
نعم يا أمي..
أستطيع أن أعيش وحيدًا بالغربة
أُقدّر غياب الأصدقاء وانشغالهم
أتفهم أن الحظ لايحالفني دائمًا
أتصور كيف كانت حياتي ستبدو أجمل بفتح باب «لو»
وكثيرًا ما أفعل ذلك..
قتلًا للفراغ وتعذيبًا للنفس
أتحمل يا أمي غياب كل منّا سنوات بعيدًا عن بعضنا
رضيت بذلك
فعقوقي بدأ منذ ركلت بطنك طمعًا في هذه الحياة..
وليتها كانت تستحق
كل الأشياء أقبل أنصافها
نصف أمل..
نصف سعادة..
ونصف حياة
لكن أرجوكِ يا أمي.. إلا الرحيل
لا أريد أن أعيش يتمًا جديدًا لا أخرج منه
لا القلب ولا الروح تقوى على ذلك
سنتان وأنا أحاول تخيل المشهد الأخير
وسرعان ما ينقبض قلبي.. حتى الخيال بات عصيا على استحضار الوداع
أخاف أن ترحلين فأفقد كل أمل بالبقاء
وأخشى أن أسبقك بذلك فينكسر قلبك على من تحبين
لا أريد لعقوقي أن يستمر للوداع الأخير
لا الأولى أقواها.. والثانية أخشاها
وليس عندي حلول
ولأن المصطفى أوصى على الأم ثلاثًا..
فأنا أكرر الرجاء يا أمي
إلا الرحيل
إلا الرحيل
إلا الرحيل
إضاءة
»ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن»
آخر السطر:
ولاخير يافهيد بصبي مايفتخر بأمه
بقلم : دويع العجمي

دويع العجمي