كتاب وأراء

عقدة القمع

التربية تبدأ في البيت، ثم المدرسة، فالشارع.
والتربية على حقوق الإنسان ثقافة.. وهذه الثقافة، لا بد لها أن تترسخ، في أي مجتمع، ولن تفعل إلا إذا تحولت إلى تربية.
ومن حقوق الإنسان، التي يجب أن نثقف بها أبناءنا، الحق في التعبير.. وحق التعبير يبدأ مع بداية النطق، والنطق- أول ما يبدأ- في البيت، ولا يمكن بالطبع، أن نرسخ في الطفل حق التعبير، إذا ما مارسنا في البيت، قمع الفم الصغير الغض.
القمع في البيت، يقابله- للأسف- قمع آخر في المدرسة، وفي الشارع: ما أن يفتح الطفل فمه بسؤال غريب، حتى يجيئه القمع من المعلم (يا ولد أغلق فمك واترمي!).
في الشارع أيضا: ما أن يفتح الرجل فمه بتنديد، أو هتاف، يقمعه الشرطي بالهراوة، أو الغاز المسيل للدموع، أو الرصاص، أو الزنزانة.. أو بكل أولئك جميعا!
هل كتب على الإنسان، في هذا العالم الثالث، أن يظل مقموع الفم من المهد إلى اللحد؟!
أي أمة- إذن- في هذا العالم الثالث، يمكن أن تنجب الفرد الحر، وهي تقمع فيه، هكذا الملكة الفذة، في البيت والمدرسة والشارع؟
حق الإنسان في التعبير، هو مباشرة، بعد حقه في الحياة، لكن هذا الحق في العالم الثالث، لا يزال حقا مُضيّعا ومسلوبا.. أو حقا منتهكا- باستمرار- في أحسن الأحوال!
حق الإنسان في التعبير- وإن كان يجيء بعد حقه في الحياة- إلا أنه لا يقلُ عن الحق الأول، ذلك ببساطة لأن حق الحياة يمكن أن يضيع، تماما، إذا لم يفتح المرء فمه، ليقول إنني أريد.. أريد أن أحيا، ياعالم!
فاقد الشيء لا يعطيه.. من هنا، فإن أي امرئ، فقد في البيت، أو المدرسة، أو الشارع، حقه في التعبير، لا يمكن أن يعطي الآخر هذا الحق. إنه سيظل يمارس «الاستلاب» ويمارس القمع مع الآخرين!
القمع.. عُقدة.
هو عُقدة الحاكم الديكتاتور..
وهو عُقدة الشرطي،
وعُقدة المعلم.
وهو- قبل أولئك جميعا- عُقدة الأب والأم، والأخ الأكبر.. وهو سيستحيل إلى عُقدة: عُقدة في الطفل، ذلك الذي يمارس عليه كل أولئك.. كل أشكال القمع!
أعودُ إلى البداية: حقوق الإنسان ثقافة.. والثقافة- أي ثقافة- منظومة سلوك، يتكامل في نظمها ثالوث (البيت والمدرسة والشارع).
لنبدأ من البيت- إذن- ونعلم أولادنا كيف يفتحون فمهم.. ولنعلمهم كيف يمكن أن يتمسكوا بحقهم في فتح الفم: حقهم في التعبير، ليتمسكوا- في ذات الوقت- بحقهم في الحياة!
لتكن- إذن- مادة حقوق الإنسان، مادة أساسية في مناهج التعليم- من مدارس الأساس حتى الجامعة- ولتكن مادة أساسية حتى في فصول محو الأمية!
دون ذلك، سيظل القمع، والانتهاك، والاستلاب.
ودون ذلك سيظل الفردُ (مقموعا). وكذا المجتمع كله، في النهاية.. ذلك لأن الفرد هو الذي أنجب المجتمع، في مرحلة تاريخية، قبل أن ينجب المجتمعُ الفرد.. في النهاية!

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار