كتاب وأراء

تمكين النكرات من المنكرات آلام على هامش الزبد العربي

يشعر الواحد منا بكثير من الإشمئزاز وهو يرى نكرات تحولوا إلى نجوم وأقزام يجري تقديمهم للرأي العام على أنهم أعلام. صحيح أن العيب فينا، لكن زماننا أيضاً يبدو أكثر رداءة من غيره لو قيست الرداءة بعدد الأشخاص الذين لمعت أسماءهم وهم لا يستحقون إلا أن يعيشوا في عالم النسيان. أنصاف قامت وعلت وهي لا تضاهي ولن تضاهي ابداً قامات رفيعة عاشت بيننا في الماضي كانت قمماً في الإبداع والتواضع كما كان لها بصمات مضيئة على العقل العربي. وليت هؤلاء المحدثين حققوا فقط شهرة لا يستحقونها، وإنما راحوا يقدمون أنفسهم كمشاعل للنور وحماةً للأخلاق ورعاة للقيم ونبراس للحق والهداية وعنوان للعلم والبيان. نفتح شاشات التلفاز فنرى وجوهاً ما كان يجب أن تطل أبداً على الملأ.
والأغرب من إطلالتهم طريقة تقديمهم. فهم يُقدمون بأوصاف براقة وألقاب مرموقة. غير أن من يتابعهم يتعذب وهو يسمع لغتهم الركيكة بل وأحياناً السوقية، ويتافف من أساليبهم السطحية ولغتهم الأشبه بالسياط. ومع هذا وبرغم أنهم نكرات إلا ويتواصل الإصرار على تمكينهم وتلميعهم وتقديمهم للناس كقادة رأي وصناع للتغيير.
ولم يعد هؤلاء النكرات بضع حالات وإنما تمددوا في الحيز العربي العام بكل مجالاته السياسية والإعلامية والاقتصادية والفنية والرياضية والثقافية. منهم برلمانيون ووزراء يتكلمون بفوقية وجهل. ومقدمو برامج مشهورون يتصرفون كالرعاع ويزعمون أنهم عنوان الحقيقة. ورجال مال وأعمال يتشدقون بالوطنية والإنحياز إلى الفقراء وهم لصوص. وفنانون يفتون بسذاجة وسماجة في كل شيء اعتقاداً بأن الشهرة تبيح ذلك. وخبراء وأساتذة مجوفون. كل هؤلاء ملئوا الحيز العام فبينوا كم أن أختيار النخب لم يعد يخضع لمعايير الأهلية والكفاءة، وإنما تحول من بحث أمين عن الأجدر إلى صناعة مبتذلة تنصرف إلى شراء الشهرة بالمال أو الوصول إليها بالواسطة وعلاقات القرابة والصداقة والمحسوبية. بات الفرز المهني السليم معطلاً عندما أوسد الأمر إلى غير أهله لتبتعد قامات ولتتقدم نكرات. ولم يكن غريباً مع تمكين النكرات أن تزايدت المنكرات.
والنكرة في اللغة عكس المعلوم وهي كل ما ليس معروفاً أو مهماً. وأحياناً ما نسمع العامة وهم يصفون شخصاً بأنه «نكرة» إشارةً إلى تفاهته وعدم قيمته. أما المنكر فهو ما يقضي الشرع ويحكم العقل بقبحه وقد يصل الأمر حتى إلى تحريمه. وليست كل نكرة منكراً كما لا تأتي كل نكرة بالضرورة بمنكر. حتى النكرة الذي يأتي بتصرف تافه قد لا يرتكب بالضرورة منكراً مثل من يتسكع في الطريق ليقتل الوقت لكنه لا يؤذي أحداً أو ينتهك حرمةً. أما المنكر فيقع من أي شخص، مشهوراً كان أم نكرة. لكن المنكر تتضاعف صدمته عندما يأتي من شخص معروف وكان يستحق أن يبقى نكرة.
وفي الفضاء العربي، طفت نكرات كثيرة على سطح واسع من زبد إنساني ما كان لها أن تطفو إلا بعد أن تراجعت النزاهة وتقلص الحياد في مختلف المجالات. زاد عدد النكرات لما فسدت عملية التمكين فبات من لا يستحق يتولى ما لا يعرف. نكرات تُرك لها الحبل على الغارب فتطاولت وأصبحت شخصيات عامة تحاط بوقار زائف وتهليل مصطنع. لكن تمكين النكرات لن يداري مشكلةً وإنما يكشف بلا لبس ما أصاب عمليتي الفرز والغرز في مختلف الدول العربية من عطب. فلا الفرز بين الناس بحثاً عن الأكفأ يجري كما يجب ولا غرز الأنسب منهم في الموقع الذي يصلح له يُراعى بذمة. باختصار، تفشت النكرات فزادت المنكرات.
وتتعدد أسباب هذا الوباء، لكن يبقى أبرزها سياسي يتصل بالاستبداد الذي لا تعرف وربما لا تريد هذه المنطقة أن تنفك منه. فالاستبداد يعشق الأقزام ولا يحب القامات. يعرف أنه لن يستمر إلا بتمكين أهل الثقة وإبعاد أهل الكفاءة. هو الذي يحول عامداً متعمداً نكرات ليست لها حيثية إلى رايات يظل يمكنهم طالما أنهم يخدمونه. ويظل يرضي عنهم وعن كل شيء يقولونه طالما أنهم لا يعارضونه. يسمح لهم بالتمدد ويترك جهالاتهم تتفشى بين الناس. فالمستبد يحتاج إلى نكرات يمتدحونه ويبررون له. هم باختصار جزء لا يتجزأ من صناعة الاستبداد. ولذلك إذا كان إنتشار النكرات من المنكرات فإن الاستبداد الذي يمكنهم يبقى بلا شك هو المنكر الأكبر.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات