كتاب وأراء

الخارج ليس دائماً مثيراً للدهشة

أحياناً تجد نفسك مرغماً على أن تكتب ما لا تود أن تقوله، ذلك الكلام الذي يصطدم في حنجرتك وتغص به، وتصبح حينها عاجزاً عن البوح ومواصلة فضول الأسئلة، بعض التساؤلات تخشى من مواجهتها فكرياً وبصرياً، ولكنك في الوقت ذاته أنت مُرغم على مواجهة العاصفة بمفردك، لأنك لا تملك الخيار في تجاهلها كما اعتدت، طالما أنها تتكرر باستمرار وبوضوح جليّ أمام مرأى عينيك، فلا تعود قادراً على أن تستوعب حقيقة ما يحدث، حقيقة أن هذا الأمر لم يعد مجهولاً وبدون هوية، حتى وإن رغبت في مغادرة الكهف الذي يتوجب عليك في كثير من الأحيان أن تتوهم بأنه دارك الأبدي، الأمر ليس مسلياً على الإطلاق، حينما تشعر بأن عليك أن تخاطر بنفسك ووقتك وأن تكون ضحية لمعنى التجاهل القسري، رغم أنك لا تستحق هذا القدر وغيرك أيضاً لا يستحقون أن يصفعوا بما يحدث حولهم، ولكنه الواقع الذي نعيشه أنا وأنت وهو وذاك وتلك، أن تكون بصيراً ويصرف لك الطبيب نظارة سوداء، أن تكون قادراً على الجري في حلبة السباق، ولكنك تفاجأ بصندوق يوجد به عكاز وجبيرة، ترافقهما مطوية مُلئت بعشرات الإرشادات المكتوبة ويتوجب عليك أن تتبعها بدقة، لأن الآخرين يرون عجزك الذي لا تراه وليس موجوداً في واقعك المعاش، فأنت لا تزال قادراً على الهرولة والركض حتى آخر يوم في حياتك، كما أنك لا تزال تتمتع ببصيرة تسمح لك بفرز قائمة ونزاعات الألوان بعضها من بعض.
بعض المؤسسات والهيئات الخاصة أو حتى الحكومية لا تؤمن بقدرة موظفيها على الإبداع، فتلجأ إلى جلب مهارات أقل منك بمراحل عدّة، لتتولى بعثرة الأفكار المهترئة وللأسف يصفق لها فقط من جلبها، فيما يقف البعض مذهولين مما يحدث، أن تكون حاصلاً على شهادات عليا، ولكنك لا تقبل أن تعمل على سبيل المثال في جامعات وطنك، أن تكون مبدعاً كفنان أو خطاط أو حتى طاهٍ يملك فن إدارة المطبخ، لكن لا أحد يرغب في أن تكون في صفوفه، النظرة إليك جاحدة ومهملة وكأنك مدان تحت اسم هويتك الوطنية، أمر يزعجني شخصياً أن يتجاهل الكثيرون مواهبنا، لينظروا دائماً نحو الخارج، ليس فقط خارج مكانك ومحيطك، وإنما حتى خارج إطار هذا الوطن، وكأنك شُبهة لا تصلح لأن تكون واجهة ذات قيمة للمكان الذي تعمل به، أن تكون مولعاً بمهنتك كطبيب ولكنهم يرون أنك لا تستحق أن تكون مسؤولاً عن إدارة القسم، ومن المؤكد أن كل من هو خارج أرحامهم، هم الذين يستحقون هذه العناية وذاك الاهتمام المبالغ به، لهذا فهم يقدسون تماماً الحكم الأجنبي في المباريات المحلية، ولكنهم لا يشيدون بالحكم الوطني، إلا إذا تم تكريمه خارج إطار المكان الذي ينتمي إليه.
معظمنا يشعر بالاضطراب لأنه رغم كل ما يمتاز به، يجد أن التقدير لا يتم إلا حينما يخرج من مناهضة العنصريين الذين يلاحقوننا في كل مكان، العديد من المسؤولين عليهم أن ينظروا إلى الداخل، الخارج ليس دائماً مثيراً للدهشة والاهتمام.
بقلم : سارة مطر

سارة مطر