كتاب وأراء

موقعة خريج «التوك توك»

لا صوت يعلو في مواقع التواصل الاجتماعي، على صوت «خريج التوك توك»، ذلك الشاب، الذي تحدث لإحدى الفضائيات المصرية الخاصة، عن رأيه في أحوال وطنه، وظروف معيشته. لن أزيد في المعلومات.. فخريج التوك توك، أشهر الآن من أن يعرف، وقد حقق مقطع حديثه المصور نحو 10 ملايين مشاهدة. واصبح الشاب البليغ، حديث المواقع والمقاهي.. ورغم ذلك فالفضائيات التزمت حياله الصمت وهي ملاحظة أولى من عدة ملاحظات، أريد تثبيتها في هذه السطور، حول «موقعة خريج التوك توك». بداية الصمت الفضائي، الذي لا يترك شاردة ولا واردة، ويبالغ في الحفاوة بأي صوت مؤيد، جاء من القناة التي التقت الشاب وحدثته، فما ان انتشر المقطع المتلفز، حتى بادرت قناة الحياة برفعه من صفحتها على الفيس بوك، وهو تصرف فيه من السذاجة اكثر مما فيه من القلق العجيب لمجرد وجود فيديو انتقادي على صفحة القناة، اذ يبدو انها نسيت ان هناك مواقع تواصل اجتماعي، وهو ما يستوجب – وهي الملاحظة الثانية – الشكر والدعاء للسيد مارك زوكربيرغ، الذي لولاه لخشعت كل أصوات النقد والأنين، ولم نسمع حتى همسا.
من الملاحظات التي أراها مهمة، ان ما قاله الشاب، مصطفى عبد العظيم، أو خريج التوك التوك، لا يختلف كثيرا عما يردده مئات وربما آلاف الكتاب والنشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي، فالحرقة على تدني الأحوال المعيشية، والبكاء على ما كان، همّ عام الآن في مصر.
ليبقى أن كل ما في الأمر هو تلك العبارات البليغة من عينة، «نتفرج على التليفزيون تلاقي مصر فيينا، تنزل للشارع تلاقيها بنت عم الصومال» التي وردت على لسان خريج التوك توك، وهي ليست بحال من الاحول مشكلة ذلك الشاب، وانما هي مشكلة مجتمع تنميطي، وضع بدون وجه حق، سائقي التوك التوك، في أدنى درجات السلم المجتمعي، تعليميا وفكريا واجتماعيا، رغم ان كل واحد تقريبا من ركاب هذه المركبة، يعرف خريج جامعة أو اكثر، اضطرته احوال البلاد ليكون سائقا، أو «خريج توك توك».
لم تخل الموقعة بطبيعة الحال، - وهي الملاحظة الاخيرة - من دخول الاستقطابيين على خطها، فالمؤيدون والمدافعون عن الحكومة «عمال على بطال»، سارعوا كما جرت العادة إلى اتهام الشاب بالاخونة، وانه مجرد موتور حانق، وهو اتهام غذته اخبار عن سؤال الحكومة عن هوية الشاب، وانباء عن تركه لمنزله واختفائه خوفا من القبض عليه. بينما ذهب الطرف المقابل، إلى كون الواقعة كلها صناعة استخباراتية وأمنية، هدفها التغطية على إجراءات وأخبار أسوأ مما شكا منه خريج التوك توك.
خلاصة القول.. ان خريج التوك توك، أعلن ببلاغة لا يجب ان يندهش لها «المنمطون»، ما يخفيه ملايين الفقراء والمعوزين في قلوبهم، خوفا ورهبا، وما يردده آلاف الكتاب والناشطين ايضا، وان الاهتمام بما قاله، أولى من الانشغال بتعليمه وانتمائه السياسي.
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى