كتاب وأراء

المجد الأسري.. حقيقة أم هلاوس؟

تشاجرا، فضرب الزوج يمينه بيساره، فطبقت الزوجة المبدأ العسكري «إذا ارتفعت الأيدي، تساوت الرتب»، فانقلب العش الهادئ حلبةً للصراع.
ورُغم حتمية فشل الزواج القائم على مبدأ البقاء للأصرع بين قطبي أبطال الجودو، إلا أن هناك ضرورة لإفساح فرص الإصلاح، علماً أن لحظات الانفعال هي أخطر أسلحة دمار الأسرة، لذا نجد معضلة في تصحيح ما أفسدته اليد فيما يتعلق بالمشاكل الأسرية.
»ضحيت حتى امتلأ الكأس»، عبارة تتردد أثناء الصلح، حيث تُطمس من ذاكرة الطرفين أيام الهناء، فهيهات أن تَحدُث انتعاشة ذهنية لأحدهم توسوس له بلحيظة عطاء لشريكه، فيد واحدة ترتفع تمحو إثر مئات الأيادي البيضاء، وكلمة بذيئة تنسي عشرات قصائد الحب.
فواقعياً، نحن إزاء عصر الشراكة الزوجية القائمة على الندية، فتطفو أسئلة: لماذا أتحمل الضغوط؟ حتى متى؟ في سبيل ماذا الاستمرار مع شريك مؤذٍ؟
ومع عدم وجود أولاد تصبح الإجابة أيسر.
ورُغم أن إعلان العداء هو إعلان للغباء، فإننا نُصدم من حرص الزوجين الفاقع على إشهار تأكيدهما بكونهما لا يحتمل كل منهما الآخر سوى لأجل الأولاد، ما يعني ضياع مفهوم جدوى الحياة الأسرية دون إنجاب، أو فائدة التضحيات لاستمرار الأسرة.
فندر من يؤمن بتفعيل جدوى الصبر كضمين لإصلاح العائلة، ثم كيف بمشاعر طرف تم التأكيد له أنه لا يحتمل إلا من أجل أبنائه، أو قيل له: لقد خبُرت الأسوأ، فسأصبر عليك لأنك أخف سوءا؟
ثم ينهض هاجس جوهري يبرر للزوجين حتمية الانفصال، وهو عدم شعورهما أن تضحياتهما تعود عليهما بنجاح ملموس في ظل غياب مفهوم «المجد الأسري» مقابل نظيره العملي.
فقد يقبل ممثل تلقي صفعة حقيقية علنية من زميلته مفضلاً عدم استخدام «دوبلير».
كما تُصمم الممثلة أن يركُلها زميلها الفنان بقدمه ليتحقق الصدق في المشهد، بل قد تطلُب من المخرج إعادة الركلة لقناعتها أن تحملها الإهانة العلنية خلال مشهد تمثيلي سيحقق لها «مجداً فنياً»، أما صبرها على صفعة مستترة داخل أسوار منزلها فلن يعود عليها بطائل لأنها من الأصل لم تسمع بوجود «المجد الأسري».
فقد يتقبل الزوج ضغوط العمل من رؤسائه كما قد تتحمل الزوجة مضايقات مديرها، فيما إذا جاءت الهفوات من الزوج أو الزوجة فالإهانة لا تغتفر!
فلمَ ترحب الزوجة أن يكون لها رئيس في العمل أعلى منها درجات فيما لا تسمح بدرجة منحها الله للرجل للقوامة؟
ثم هل تقبل الزوجة التعامل مع قرينها على أنه رئيسها في الحياة عوضاً عن مصطلح الشريك؟
أعذر الرافضات لتقصير الأزواج في واجبات القوامة مكتفين بمقام التشريف، ناسين واجبات التكليف، فتفاجأ الزوجة برب الأسرة قاعداً مخدوماً، لا قواماً على خدمة أسرته، فتشعر أنها هي من تترجل لتخدمه بينما هو قعيد لا قوّام.
ثم إننا محاصرون بأطر ثقافة تحصر المجد للفنانين والرياضيين، فتطلق عليهم الألقاب تنجمهم وتكوكبهم وبالمقابل لا تجد الزوجة صورة مشرفة عنها بوسائل الإعلام بل تُعامل ككم مهمل في المجتمع أو كجندي مجهول مهمش.
فنحن لم نشاهد برنامجاً يحتفي بزوجين، كما لم نسمع عن تخصيص جائزة للزوجة أو للزوج المثالي في حين تفعل سنوياً مسابقات لأجمل فتاة، أفضل أغنية، مسلسل، ممثل أو فيلم، بل لقد أذيع برنامج عن أشهر»الكومبارسات» السينما، فيما لا يتم الإشادة بأسرة بذلت العمر واعتركت الحياة بمشاقها، فلا تُصادف تكريماً.
وفي حين تُنصب التماثيل للزعماء، فإننا لم نشاهد «منحوتاً» لزوجة كافحت أو زوج صبر!
فلماذا ننجم فئة ونكوكب أخرى فيما نهمش العائلة ثم ندعوها لتحقيق مجد أسري هي تعلم زيف تقديره؟
إننا في داخلنا نؤمن بأن البقاء للأقوى، فتزداد الأنماط التي تتعامل بالسكين لا بالسكينة في البيوت. ولن أمل من تكرار دعوة تدريس مادة الأسرة في المؤسسات التعليمية لتهيئة النشء تدريجياً على أدوارهم المستقبلية.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي