كتاب وأراء

كوكب القهوة

من الظواهر التي برزت بقوة مؤخرا انتشار محلات القهوة السريعة في المدن السعودية. وما يقلقني ليس انتشار مراكز البيع ذاتها بل دخولنا ضمن فئة الشعوب المدمنة على الكافيين.. فمن المعروف أن الكافيين مادة منشطة وتسبب الأرق وتوجد بشكل طبيعي في مشروبات كثيرة أهمها القهوة. ورغم أنها غير ضارة طبيا (ما لم تتجاوز حدود الاستهلاك الطبيعي) إلا أن الانقطاع عنها يوتر الجهاز العصبي ويسيء للمزاج الشخصي.. وتعد دول مثل فنلندا والدنمارك والنرويج مدمنة كافيين بسبب متوسط الاستهلاك الفردي المرتفع فيها (حيث يستهلك المواطن في فنلندا مثلا 11 كيلوجراماً في العام)!!
ورغم أن أوروبا غير منتجة للبن إلا أن تسعة (من بين أكثر عشرة شعوب مستهلكة) توجد في هذه القارة.. والحديث عن إدمان أوروبا للكافيين لا يكتمل دون المرور على مقاهي فيينا ومعرفة دورها التاريخي في نشر القهوة.. وكنت شخصيا قد زرت فيينا في مناسبتين مختلفتين ولفت انتباهي (بالاضافة لزخرفة مبانيها الخارجية وعشق أهلها للموسيقى) كثرة مقاهيها وإدمان مواطنيها على شرب أنواع كثيرة منها.. وأذكر أنني طلبت بالبريد منشورات سياحية عن فيينا فوصلتني معلومات عن القهوة وانواعها وكيف يمكن للسائح طلبها باللغة الالمانية. وبالنسبة لشخص مثلي - لا يشرب غير النسكافيه- شعرت ان القوم يبالغون في الاهتمام بهذا المشروب حتى لمست عشقهم على ارض الواقع ؛ ففي الشارع المحيط بالمدينة القديمة (ويدعى رنج شتراسن) يوجد بين كل دكان ودكان قصر للقهوة (كما يطلقون عليه). ومعظم هذه المقاهي عبارة عن مبان فخمة أو قصور حقيقية بعضها مخصص للأدباء والآخر للموسيقيين وآخر لعلية القوم - ولا يشوه رونقها غير صراخ الايطاليين وهمجية الأميركان!!
ومن اغرب الأشياء التي صادفتها هناك وجود جامعة متخصصة في فنون التحضير ومزج البن وإتيكيت التقديم. وتعد هذه الجامعة الأولى من نوعها التي تمنح شهادة عليا في (أعمال القهوجية) ويقف خلفها عدد من المقاهي العريقة التي يهمها الحفاظ على سمعة القهوة النمساوية!!!
... وعموما؛ يعد إنشاء جامعة للقهوة تتويجا لعشق «الإنسان» لهذا المشروب النبيل منذ اكتشف في أثيوبيا قبل عشرة قرون.. والطريف أن حبوب القهوة ظلت لفترة طويلة مجرد علف للماشية حتى وصلت - في القرن السابع الهجري- إلى جزيرة العرب وحضرت كمشروب.. ومن جزيرة العرب انتقلت إلى بلاد فارس ثم تركيا أيام العثمانيين.. وأثناء الفتوحات العثمانية في أوروبا حاصر الاتراك مدينة فيينا مرتين عام 1529وعام 1683(وهو الأمر الذي لم ينسه أهل فيينا إلى اليوم).. وفي المرة الثانية تراجع العثمانيون أمام الجيش البلغاري الذي حضر لنجدة فيينا فتركوا أكياس القهوة خارج أسوار المدينة فاشتراها تاجر نمساوي وهو لا يعلم ماذا يفعل بها.. وشيئا فشيئا بدأ يحسن نوعية المشروب حتى انتشر بين الأهالي وخرج من نطاق فيينا إلى كامل أوروبا وتقول الاسطورة إن هذا التاجر هو أول من حضّر «الكروسون» على شكل «هلال» نكاية بالاتراك وكان يقدمه مجانا لزبائنه!
... ورغم أن الدول الاسكندنافية تعد اليوم اكبر مستهلك للقهوة - ورغم ان البرازيل اكبر منتج لها- إلا ان النمساويين يظلون أسياد الإتيكيت ومرجع القهوة في أوروبا!!
... وبالمناسبة..
لو صادف وذهبت إلى فيينا فلا تتورط بطلب فنجان قهوة (لا لشيء سوى أنه يكلف خمسين ريالا ويحضر بـ 72طريقة مختلفة)!!

بقلم : فهد عامر الأحمدي

فهد عامر الاحمدي