كتاب وأراء

صراعات ساخنة أم مجرد «كوارث إنسانية»؟

تشير التجارب التاريخية إلى أن أي صراع يمر بخيارات عدة، فإما أن يتم حله عبر التسوية السياسية أو بالحرب، أو أن يبقى على حالته الساخنة حيث تتداخل الجهود السياسية مع الاشتباكات المسلحة، أو أن يجرى تجميده فيما يعرف بحالة اللا سلم واللا حرب. إلا أن الصراعات العربية الساخنة تطرح سؤالا عما إذا كان يمكن للصراع أن يتخذ خيارا آخر، وذلك بأن يتحول إلى مجرد كارثة إنسانية فقط.
تقارير الأمم المتحدة خلال الفترة الأخيرة عن الأوضاع في كل من سوريا والعراق واليمن تؤكد ذلك، بعد أن تراجعت فرص الحل السلمي في الدول الثلاث وتصاعدت بدلا منها فرص الحرب والدمار. كما تؤكده أيضا تصريحات وبيانات المسؤولين في الأطراف الدولية والإقليمية المعنية، فيما جعل العنوان الأكبر للأنباء الواردة من ساحات الصراع في الدول الثلاث هو التركيز على جوانبها الإنسانية المؤلمة فقط وإعطاء الأولوية الآن لهذه الجوانب على القضايا الرئيسة.
المشكلات الخطيرة التي ترتبط بتحول الصراع من موضوعه الرئيس (الصراع على السلطة وإقامة نظام سياسى جديد) إلى نكبة إنسانية مزمنة، هي التي تقضى على أية فرص لحل سياسى مرضى لكل الأطراف المعنية. إنها تتضمن تغييرات ديموجرافية داخل البلدان المعنية بالصراع أي تغيير التركيبة السكانية ليس فقط على مستوى إعادة التوطين لهذه الجماعة أو تلك، وإنما بالنسبة لتعداد الجماعات ذاتها حيث تجرى عمليات إبادة ما لواحدة لصالح الأخرى أو تفعيل صور مختلفة من التمييز بل والاضطهاد بين المكونات المجتمعية. كما أنها تعمق من مظاهر الكراهية سواء كانت على المستوى الطائفى أو المذهبى أو بين المناطق المختلفة.
وأما على المستوى الإقليمى المحيط فإنها مشكلات تأخذ صورا مختلفة، فمن ناحية تشكل عمليات النزوح للدول المجاورة ضغوطا اجتماعية وأمنية واقتصادية شديدة على الدول المتلقية للهجرة، خصوصا عندما تكون الدول المتلقية فقيرة أو تعانى من الأصل من أزمات اقتصادية وأمنية. ومن هذه الصور أيضا مشكلات التمويل سواء من حيث صعوبة تدبير الأموال المناسبة لضمان قدر مناسب من الرعاية للنازحين، أو من القدرة على تحمل تدبير هذه الأموال لفترة طويلة من الوقت.. وأخيرا تتضمن المشكلات تعميق فجوة الخلافات بين الأطراف الإقليمية وكذلك بين الأطراف الدولية.
السؤال الذي يطرح نفسه مع وصول الأوضاع إلى مرحلة الكارثة الإنسانية، هو هل كانت كل الأطراف المعنية في الدول الثلاث مدركة بحق منذ البداية أن الصراع يمكن أن يصل إلى هذه المرحلة أم لا؟
واقع الأمر أن حسابات الأطراف وتقديراتها للموقف أولا بأول لم تتوقع وصول الأوضاع إلى هذا الحد، أو أنها قللت كثيرا من احتمالية حدوثه. والغريب أن أجراس الإنذار كانت تدق منذ البداية. وبالمقابل لم تتوقف المبادرات للتوصل إلى حل أو تسوية سلمية باعتباره الخيار الأفضل.
ولكن هنا تكمن المشكلة حيث لم يكن بالإمكان المضي في كل هذه المبادرات والجهود السياسية والمراهنة على نجاحها بينما العمليات المسلحة مستمرة حيث كان من المحتم التوصل لوقف إطلاق النار لفترة كافية من الوقت في وقت مبكر من اندلاع الأزمة، وهو ما لم يحدث.
صحيح أن مسألة الحرب على الإرهاب كانت دافعا لاستمرار هذه العمليات في الحالتين، ولكن هذه المسألة لم تكن قائمة في بداية اندلاع الأزمة هنا أو هناك، بل حدثت في وقت لاحق وبعد فترة من تحسس الحل السياسي مع دخول المنظمة الدولية على الخط وكان بالإمكان مجددا التركيز أولا على وقف إطلاق النار بين النظام والمعارضة بدلا من الزخم الكبير الذي أعطاه المجتمع الدولى لمفاوضات جنيف التي انتهت إلى لا شيء.
وعليه فإن الكارثة الإنسانية في الحالات الثلاث ما هي إلا نتيجة لفشل الاتفاق على الحل السياسي، ووقوع الكارثة يؤدي من جانبه إلى غلق الطريق أمام العودة لهذا الحل مجددا.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد