كتاب وأراء

«وياك».. بين الصحة النفسية والواقع المجتمعي!

منذُ أيام قليلة تلقيت دعوة كريمة من جمعية أصدقاء الصحة النفسية «ويّاك» لحضور لقائها الإعلامي الأول والذي نظمته لعدد من مؤثري الإعلام «الكلاسيكي والجديد» في دولة قطر وذلك احتفالاً باليوم العالمي للصحة النفسية والذي يصادف كل عام العاشر من أكتوبر وذلك تحت رعاية معالي الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، وفي حقيقة الأمر كنتُ معجبة بحق بجهود القائمين على هذه الجمعية والذين يقومون بشكل جادّ بتسويق أهدافها ومساعيها وبرامجها المجتمعية المكثفة بشكل ملحوظ، وطالما كنت من متابعي هذا النشاط المتقد عبر ما يردني عنها في شبكات التواصل الاجتماعي أو تلك التي تنشر على شكل مواد صحفية في صحافتنا المحلية.
الشاهد أني دوما كنت لا أعوّل على أي جهد أو مسعى في جانب التوعية بالصحة النفسية لاسيما في مجتمعاتنا التي غالبا ما تتوارى خلف وهم الصحة التامة وتولي جلّ اهتمامها في الصحة البدنية التي لطالما تحدث عنها أربابها من الاختصاصيين وساووا أهميتها بأهمية الصحة النفسية للفرد، فكل تلك الجهود الوليدة في هذا المجال لم أكن ألبث إلا أن أجدها قد أصبحت نسيا منسيا، ولا غضاضة في ذلك إذ ما كان المجتمع يرفض أن يعري ذاته نفسيا أمام الاختصاصي في هذا المجال محمّلا ذاته خطيئة المرض وخطيئة الصورة المجتمعية التي ستلحقه إذا ما رُبط مرضه بمجال العِلل النفسية فيوصف بكل وقاحة بالمجنون أو المعتوه أو بالمريض نفسيا «كسُبَّة» لا كوصف حالة!
إنَّ قوام كل مشروع ناجح جمهور مرتاد يستفيد من أهداف المشروع ومساعيه، وهذا بالضبط ما وجدته متمثلا عند «وياك» طيلة سنواتها الثلاث الوليدة، وبلا شكّ تقاطع عدد من العوامل التي نجَّحَت هذا المشروع الهام والضروري في مجتمعنا الفتي، كان أبرزها كما ذكرت آنفاً جدِّيَة القائمين على جمعية أصدقاء الصحة النفسية وتنوع خططهم وأنشطتهم بشكل استراتيجي، وذكائهم التسويقي، وارتكازهم على أيقونات مجتمعية بارزة من الإعلاميين والدُعاة والمبدعين والرياضيين وغيرهم من النجوم في مختلف المجالات، ورُبما كانت الحملة الإعلامية التسويقية التي تبناها أغلب الإعلاميين تحت شعار «كلنا وياك» من أبرز وأكبر الحملات المجتمعية التسويقية والتي وصلت إلى عدد كبير من الجماهير في دولة قطر، فالفكرة التي عملت عليها «وياك» بحدّ ذاتها خلاقة ومبتكرة ومؤكدة النتيجة، حيث قاموا بدور التوعية وتعزيز الوعي بالصحة النفسية من خلال تصميم عدد من بطاقات التوعية التسويقية ضمّت فيما ضمت صورة المؤثر «إعلامي، داعية، لاعب، إلخ...» ومقولة على لسانه حول أهمية الصحة النفسية ودورها في تنمية المجتمع وصحته ومن ثمّ يقوم المؤثر بنشر هذه البطاقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة به، ولأن المؤثرين في زمن التواصل الاجتماعي لهم «الصوت الأعلى» سماعا والتأثير الأبلغ «دويّا» كانت هذه الوسيلة التي انتهجتها «وياك» كفيلة بصناعة حوار تواتري ومعبأ في وسائل التواصل الاجتماعي في قطر منذ انطلاقة الحملة في العاشر من الجاري وحتى يومنا الحالي، فتجد أن الفضاء الافتراضي ممتلئ بحوار إيجابي حول «ثيمَّة» «الصحة النفسية وأهميتها» وذلك بين مجموعة المؤثرين في المجتمع وبين مجموعة المتأثرين من المتابعين.
إنَّ المجتمعات كما يزعُم دوماً علماء السيسيولوجيا قابلة للتغير نحو الأفضل أو الأسوأ في دورة زمنية تتراوح بين الخمس والسبع سنوات وبالطبع فإن مسببات التغيير كثيرة منها توعية فئات المجتمع من خلال تصميم استراتيجيات تعامل مع عدد من الأزمات أو تصميم برامج توعية وحملات مجتمعية لكسر مقاومة في مجال معين أو تغيير صورة نمطية بائدة في مجال ما أو العكس في تكريس صورة معينة سواءً بسواء، وفي الحقيقة كان لـ «وياك» السَبق في إزالة أول طبقات المقاومة عند المجتمع الذي يرتاب من فكرة العلّة النفسية فيجدها «سُبَّة» لا تُطاق، وينفي تعرض الفرد لإرهاصات كثيرة بفعل وتيرة الحياة الاستهلاكية المتسارعة الرتم، ناهيك عن البعد عن العالم الروحي المتمثل في الدين والعبادات والامتلاء بدنيا الحياة الاجتماعية والعملية التي لا يمكنها بأي شكل من الأشكال أن تكفي الفرد وتمنحهُ رُكن الراحة والطمأنينة، وما قامت به «وياك» يعتبر البداية، البداية لخط غليظٍ وهامّ نحو مسيرة التنمية الإنسانية التي تدعو لها الرؤية الوطنية لدولة قطر 2030، فالصحة النفسية تُعَدّ من أكبر الدوافع التي ترتكز عليها الموارد البشرية في كل مكان من أجل بذل العطاء المتناهي في ميادين العمل والمجتمع العريضة.
إنَّ الإخوة الكرام في «وياك» استأثروا بامتياز البداية في هذا المجال، وامتياز تعبئة المجتمع والرأي العام نحو قضية حساسة جدا وهامة في ذات الوقت، ويبقى أن تواصل الجمعية جهودها مع هذا الواقع المجتمعي المترنح بين القبول والرفض وبين الخوف والجرأة والمواجهة، وبالطبع يجب أن تتضافر في تحقيق ذلك جهود كل المعنيين من مؤسسات ومدارس وقطاع خاص وعام وأرخبيل الإعلاميين والمؤثرين المجتمعيين وذلك كي تحقق الجمعية أهدافها الطموحة في المساهمة في تأهيل وتدريب العاملين في مجال الإرشاد النفسي، ورفع مستوى الوعي حول قضايا الصحة النفسية والاجتماعية وحقوق متلقي الخدمات النفسية، بالإضافة إلى تعزيز الالتزام بالممارسات المهنية في مجال الصحة النفسية والخدمات النفسية والاجتماعية.
كاتبة وباحثة أكاديمية
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي