كتاب وأراء

المجتمع والشهادة العلمية

يعود الطالب فرحا بشهادته العلمية وبتخصصه الفني أو الأدبي ممنيا النفس باستثمار ما تعلمه في خدمة مجتمعه ويأتي بحماس نادر وبشوق عامر لتبوؤ مكانه بعد ان كلف الدولة الكثير من المال في سبيل تعليمه ويأتي ليرد الجميل لدولته ولمجتمعه. على الجانب الآخر يأتي الآخر سواء كان عربيا أو أجنبيا، يأتي بتخصصه النادر أو المطلوب سواء أكان طبيبا أو مهندسا أو إداريا على مستوى عال، يأتي ليخدم مقابل أجر متفق عليه وامتيازات منصوص عليها كذلك. ينغمس الاثنان في ميكانزمات المجتمع المسيرة له. يحاول الاثنان الاتساق مع شهادتيهما العلمية ما أمكن، وحيادية العلم أمام الوظيفة. بعد فترة، يصبحان أمام موقف محير، إما التأقلم مع ميكانزمات المجتمع المسيرة له وإما التقوقع والجمود للمواطن وإما عدم الاستفادة القصوى التي تفوق ما نصت عليه العقود أمام المقيم القادم للعمل. إذا كانت ميكانزمات المجتمع المحركة له ولمواقعه الاجتماعية غير حساسة للتعليم كضرورة لبناء المجتمع وهي خاصية واضحة في مجتمعات الريع، وإذا كانت المعايير غير موضوعيه بل خاصة كل الخصوصية، يتألم المواطن المؤهل، وسيفرح المقيم القادم على الأغلب خاصة اذا كانت لديه القدرة على التأقلم السريع مع الوضع الجديد، رأيت أطباء نسوا الطب والتحقوا بموائد الكبار، زادت أوزانهم وترهلت أجسامهم، رأيت بعضهم يسأل عن اسم المريض أولا وعن منصبه قبل الكشف عليه، لقنه المجتمع آلياته فتخلى عن مهنيته، في جميع المجالات وليس الأمر مقصورا على الطب، بل رأيت وسمعت عن مواطنين مؤهلين منهم المهندس ومنهم الاداري والاقتصادي انخرطوا في نشاطات تطلبتها ميكانزمات المجتمع الريعي وموائد الثراء السريع كرياضة وتربية الإبل ونشاطها، أو التجارة السريعة كوسطاء وعلاقات عامة إذا كان ذلك سيقربهم من صانع الميكانزم أو الآلية المسيطرة في المجتمع. ليس حرجا أن يعمل الفرد على تطوير ذاته وإمكاناته، بل الحرج على المجتمع الذي يجعله في تصادم مع قناعاته وتوجهاته ويجبره على مسايرته لكي لا يبدو شاذا عن الوضع العام، قد لا يكون ذلك كبيرا على المقيم المغادر بعد انتهاء عقده وبعضهم لا يرحل حتى وان كان على حساب تخصصه ومهنيته لأنه وجد البديل، بعضهم فك ارتباطه مع مؤسسته في بلده كمعار ليبقى إلى الأبد هنا فالأمر مغر فلا يتطلب سوى التوافق مع آليات المجتمع ومعرفة مفاصله والتقرب لهم أولا كمتخصص وبعد ذلك ربما كشريك أو موظف له مواصفات لا تتوافر في المواطن «أرجو ألا أعمم هنا، فهناك الشريف والمهني والمتخصص المسؤول ولكنه السمت العام الملاحظ على فترة ليست بقصيرة» يبدو الأمر حرجا بصورة اوضح للمواطن إن استمر على مهنيته لم يخسر ذاته ولكنه أقل حظا وحراكا من الآخر المتأقلم، ولا ننسى هنا أن الأمر قد يتطلب منه تحريك وظيفته بشكل يجعلها مسخرة بصورة فئوية وليست وطنية لكي يستمر ويزدهر بمعنى اخراجها من طابعها المهني وإبعاد شبح شهادته العلمية عن تصرفه. هناك من يتأقلم ولكن هناك العديد كذلك يتألم. شروط المجتمع الخليجي المختطف تاريخيا بمعنى انه يسير عكس تياره، تتطلب نزولك في نهر العلم المتدفق بشرط ألا تبتل به وإلا نزعت السحر عن شطه.
بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر