كتاب وأراء

الأمة العربية والمشهد الاستراتيجي الجديد

أكثر من مؤشر واحد يؤكد اليوم على أن المنطقة تسير نحو توزيع استراتيجي جديد أو ما قد يعبر عنه بعض المحللين بسايكس بيكو جديدة بمناسبة مرور مائة عام على الاتفاقية الأشهر في تاريخ العرب. آخرون يرون أن التوزيع الاستراتيجي الجديد ليس هو ما نراه اليوم لكنه يعود إلى فترة أقدم وتحديدا إلى لحظة مفصلية في التاريخ العربي الحديث ممثلة في الغزو الأميركي للعراق واحتلاله عبر حربي 1991 و2003.
لكن ورغم كل الاختلافات التاريخية استقراء وتأويلا فإن المنطقة العربية وخاصة المشرقية منها على وجه التحديد تتحرك نحو التقسيم أو بالتحديد نحو إعادة التوزيع. لا نقصد هنا بالتوزيع وإعادة الترتيب الفعل القطعيّ الهندسي الشبيه بسكين يقطع قطعة خبز وهو ما يظهر في إعادة رسم الحدود وتوزيعها بين الدول بل نقصد به تحديدا التأثير في الفواعل الهندسية والوظيفية على الأرض، من أجل إضعاف بعضها وتقوية بعضها الآخر بشكل يسمح بإعادة توزيعها بشكل يخدم المصالح الاستعمارية والتوسعية للقوى المتدخلة أو لحلفائها.
النقطة الأساسية هنا هي التالية متى بدأ التوزيع الجديد وما هي آلياته؟ الأكيد على الأقل هو أنه لا توجد لحظة ثابتة لهذا التوزيع مثلما كان الأمر خلال القرن السابق خلال التقسيم الامبراطوري للعالم عبر المعاهدات والاتفاقيات الشهيرة «سايكس بيكو» «لوزان» ««بلفور» «سان ريمو»... وغيرها من الخطط الاستعمارية. اليوم تتداخل العناصر والفواعل التي تستهدف تحوير الجغرافيا السياسية للمنطقة لكن يمكن رغم هذا التداخل فرز العناصر المركزية ذات الثقل الحقيقي فيما يحدث.
إن الانتشار العسكري الكثيف وتكالب الامبراطوريات على الدول المكونة للحزام العربي مشرقيا، يؤكد أن مشروعا جديدا يرسم لها أو أن مشروعا قديما يعرف تحويرات هامة. فالرأي الغالب والأميل إلى الصواب هو الرأي الأخير وملخصه أن تحويرات كبيرة على المشروع التوسعي القديم في المنطقة العربية هو بصدد الانجاز وليس الحضور العسكري الروسي المباشر في سوريا إلا دليلا على ذلك.
لقد أحدثت ثورات الشعوب الأخيرة تهديدا حقيقيا للنظام العالمي الذي رسم الشكل السياسي للمنظومة العربية وخاصة عبر اتفاقيات سايكس بيكو الشهيرة أو عبر وعد بلفور المشؤوم.. لأن هذه الثورات أكدت قدرة الشعوب على إحداث تغييرات سياسية غير محدودة وغير مراقبة وهو ما تخشاه القوى الكبرى التي رسمت الحدود السياسية والاقتصادية والعسكرية.
ثم إن وصول رياح الثورات إلى مراكز الثقل العربية الاستراتيجية مثل سوريا ومصر هو الذي حرك القوى الدولية من أجل التدخل العسكري المباشر لمنع أي تغيير ممكن في المشهد الجغرافي السياسي المرسوم بما يمكنه أن يهدد مصالحها وامتيازاتها وثقلها الاستراتيجي والعسكري في المنطقة. فالانقلاب الدموي في مصر كان تحركا دوليا ناعما من أجل منع خروج مصر من المعادلة القديمة التي تجعل منها دولة مفعولا بها وعاجزة ضعيفة عن الفعل وعن لعب دور قيادي عربيا وإسلاميا. أما المجازر المفتوحة في سوريا وكل ما يحدث بها من مذابح يومية ومن تهجير ومن حرب إبادة فإنما هدفها هو منع أي تغيير في توزيع القوى الاستراتيجية في المشهد السياسي السوري وفي جواره الاقليمي المباشر.
هكذا يُطرح على العرب اليوم وأكثر من أي وقت مضى العمل على تنفيذ مشروع مضاد والخروج من حالة الانقسام والتشرذم التي تعصف بكامل المنطقة وذلك عبر تفعيل كل أدوات التكتل الممكنة ونبذ الخلافات القديمة التي لم تورث الأمة غير الخراب والدمار والتقسيم الذي لا ينتهي.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد