كتاب وأراء

المتفردون

في سنواته الأخيرة عانى الأديب الذي كان له من اسمه نصيب «الطيب الصالح» من مرض عضال، وكعادة الأبطال لم يجأر بالشكوى ولم يستسلم، بل واجه الموت بشجاعة المؤمن الذي يعرف ان الموت حق، وان دور الإنسان هو ان يعمل حتى النهاية.. وأن يترك عملا نافعا وأثرا طيبا يدل على مروره في هذه الدنيا، وفي رحلته المميزة في الحياة ذكر الاشخاص الذين اضافوا إلى تجربته الكثير، ومن بينهم سائح أميركي، وصفه بأنه متوسط القامة، رزين، لا يضج بالضحك لأتفه الاسباب كالآخرين، ولا يحمل آلة تصوير يؤرخ بها اللحظة وتنسيه في نفس الوقت الاستمتاع بها، وإن كان يبتسم من حين لآخر ابتسامة رصينة، وبين أطلال مدينة أثرية كسر «الطيب» حاجز الغربة وتقرب منه، وتعجب حين وجده يعرف موقع بلده على عكس معظم الشعب الأميركي الذين لا يميزون بين زائير وتنزانيا، وبين الفلبين والصين، بل أكثر من ذلك وجده معجبا بحضارة البلد الذي يحمل هويته، ويرغب في زيارته، ويستطرد الاديب رحمه الله في وصف هذا اللقاء الذي جمع بين غريبين، ويبادره بسؤال: «شعبك في العادة ليس لديه اهتمام ببقية العالم، فما سر اهتمامك بالسودان؟ ويرد السائح ضاحكا: «صدقت، نحن في الغالب مشغولون بأنفسنا، كأنه لا يوجد غيرنا على وجه الأرض، الأقوياء دائما هكذا، ومع ذلك لا تعدم وجود أميركيين لا ينقصهم حب المعرفة!! ومرت الأيام وتوثقت الصلة بين الاثنين الاديب والسائح، وعلى ظهر السفينة السياحية وجه «الطيب» دعوة لصديقه الجديد لزيارة البلد التي يعرف عنها الكثير ويحلم بزيارتها، لكن الصديق اعتذر، وتعلل بضيق الوقت وكبر السن، فهو في السادسة والسبعين، ولم يبق له الا القليل من الوقت كما قال، لكن الاديب لم ييأس وظل يلح عليه قائلا: «لديك كل الوقت، فأنت تبدو بصحة جيدة، ولعلك تعيش حتى التسعين أو المائة! وهنا رد السائح ببساطة: «يا ريت...لكن الاطباء أعطوني عاما واحدا فقط، لقد اكتشفوا أنني مصاب بنوع نادر من أنواع السرطان، لا ينفع معه علاج وليس له دواء، وبدلا من انتظار الموت قررت أن ألاقيه في منتصف الطريق، وبدلا من أن أجلس وأنتظر، قررت أن أقوم برحلة تستغرق عاما كاملا، أزور فيها كل البلاد التي حلمت برؤيتها، وأقرأ الكتب التي لم أجد وقتا لقراءتها، وأن أبدأ حياة جديدة إذا صح القول.... ولحسن الحظ عندي من المال أكثر بكثير مما يلزم أي إنسان في الحياة، طوال حياتي وأنا مشغول بجمع المال.. نشأت نشأة فقيرة جدا، وأصبح هدفي أن أصير ثريا، المال لعنة... تقول سأصل إلى نصف مليون وأتوقف.. ثم تقول لا بأس ليكن مليونا وكفى... ثم مليون.. وآخر.. وهكذا، إلى أن يتدخل القدر ويضع حدا للسباق رغما عنك، لسوء الحظ نحن نضيع جزءا كبيرا من حياتنا في أشياء تافهة مثل جمع المال، إنني الآن أرى الدنيا بعيون جديدة، كأنني أرى الاشياء لأول مرة، كل شيء له وقع آخر.. مذاق آخر.. لعل العام الذي بقي لي هو أهم عام في حياتي، أنا الآن ولأول مرة حر من كل القيود، رتبت أموري وصفيت شركاتي، ووصيتي في جيبي ومكتوب فيها: ادفنوني حيث أموت.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري