كتاب وأراء

أوباما يناصح الرئيس الأميركي المقبل

في سابقة فريدة من نوعها كتب الرئيس باراك أوباما خطابا مفتوحا نشرته مجلة «الأيكونمست» البريطانية يوم الخميس الماضي (6 أكتوبر) لمن سيخلفه في حكم أميركا (سواء السيد ترامب أو السيدة كلينتون).
أول نصيحة وجهها أوباما للرئيس القادم هو أن يبتعد عن توجهات اليمين المتطرف واليسار المتعصب فكلاهما يصب في خانة اغلاق أميركا على نفسها ومحاربة العولمة. وسواء كانت نصائح اليمين المتطرف (ممثلة في ترامب) والتي تعادي المهاجرين الجدد وتنادي بغلق الحدود وحتى إعادة المهاجرين الغير شرعيين إلى بلادهم الأصلية أو اليسار المتعصب (والذي يمثله ساندرز) والذي ينادي بالحماية التجارية والضرائب الجمركية المانعة والغاء اتفاقيات التجارة الحرة، فأن أوباما يوصي بتجنب هذه التوجهات.
أوباما ينصح من سيخلفه بأن يتبع خطا «وسطياً «ويذكر الجميع بأنه حينما يكون الاقتصاد حرا وحينما يسعى المنتجون إلى الربح وفي نفس الوقت يدركون قيمة المنافع العامة ولا يسعون إلى الاحتكار تكون «الرأسمالية» هي المحرك الأساسي للنمو والباعث على ازدهار ورخاء الشعوب. يحذر أوباما الرئيس القادم من خطر التشريعات الحمائية والتي يمكن أن يكون لها تأثير خطير وضار ليس على أميركا فقط ولكن على بقية دول العالم.
ويحاول أوباما وهو في خضم دفاعه عن موقفه «الوسطي» أن يدافع أيضاً عن ظاهرة العولمة وحرية التجارة واستخدام التكنولوجيا الحديثة ويؤكد على أنه من المؤمنين بأن حرية التجارة رغم ثقلها وعبئها على بعض من الفئات العمالية التي يمكن أن تتأذى من انتقال مراكز الانتاج إلى خارج البلاد أو تتقادم مهاراتهم مقارنة بما تطلبه التكنولوجيا الحديثة إلا ان التجارة الحرة والتكنولوجيا الحديثة وبصورة إجمالية قد نفعت البلد وزادت من حجم الانتاج وخلقت الكثير من الوظائف الجديدة والمستحدثة.
وبينما يعترف أوباما بأن بعض قطاعات الاقتصاد الأميركي مازالت تحتاج الكثير من إعادة التنظيم والتشريعات المحفزة والميسرة لزيادة الكفاءة (قطاع البنوك وتمويل العقارات) إلا أنه ينصح بأن يكون ذلك بمزيد من العمل الجاد والسير السريع في نفس الاتجاه «الوسطى» الحالي وليس بمحاولة هدم ما هو قائم أو السير في عكس الاتجاه.
واضح من خطاب أوباما أنه يخشى التطرف الذي يسود معظم دول العالم الغربي الآن بدعوى القومية والعودة إلى الجذور (من البريكست “ BREXIT “ في بريطانيا إلى الشعور العدواني المتنامي ضد المهاجرين في معظم دول اوروبا).
وبينما يعتبر أوباما أن سياساته التي أنتهجها خلال فترة حكمه التي شارفت على ثمانية أعوام هي سياسات «وسطية» يرى الكثير من الأميركيين أنه كان يتبع في سياساته الاقتصادية خطا يساريا ويتهمه الجمهوريون من نواب الكونغرس أنه «شيوعي متخف» وأنه يدمر اقتصاد أميركا بتلك السياسات اليسارية مثل خطته في التأمين الصحي وسياساته في دعم البنوك وشراء أسهم شركات السيارات التي كانت على وشك الانهيار. ولا شك أن هذا افتراء بين.
فلقد أستلم أوباما اقتصاد أميركا في 2008 وهو منهار والكساد الكبير في أوجه. أستطاع أوباما وبنجاح أن يدير دفة الاقتصاد ليخرج من الكساد خلال سنتين فقط (من معدل نمو سالب -2.7% في 2009 إلى متوسط 2.5% للفترة 2010-2015). التضخم لم يتجاوز 2%. معدلات البطالة انخفضت إلى أدني حد لها (4.9 %) الآن بعد أن وصل المعدل إلى ما يقرب من (10%) في 2009. أنقذ أوباما عددا من الشركات والمؤسسات المالية بل والصناعات (كصناعة السيارات) من الانهيار. كما حافظ ملايين المواطنين على مساكنهم حين مرر خطة اقتصادية للتحفيز في 2009 تقدر بـ 787 مليار دولار أميركي. ولذا أعتقد أن فترة حكم أوباما ستذكر بكل هذه الإنجازات الاقتصادية التاريخية ولكن سيكون هناك الشك الدائم في إنجازاته السياسية وما كان يجب عليه فعله في هذا المضمار وخصوصا سياساته تجاه الشرق الأوسط التي كانت تائهة ومتخبطة وتفتقر إلى الكثير من التوازن وبعد النظر.
ولكن في نظري أن هذا الخطاب الذي وجهه أوباما لخليفته في حكم أميركا سيكون من ضمن التراث القومي الذي سيذكره الأميركيون فيما بعد على أنه من مآثر أو محاسن أول زعيم أميركي من أصول افريقية.

بقلم : حسن يوسف علي

حسن يوسف علي