كتاب وأراء

الضريبة الباهظة

كان خروشوف رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي الاسبق حريصا على أن يصطحب واحدا أو اكثر من الكتاب السوفيات الكبار في رحلاته إلى الخارج، وخاصة اذا كانت رحلته إلى احدى الدول الرأسمالية، فقد كان يحب دائما أن يستمع إلى الانطباعات التي تركتها الرحلة في نفوسهم، ويحب أن يقرأ تأثير هذه الرحلات في كتاباتهم، إلى ان جاء الدور أخيرا على كاتب روسيا الكبير «شولوخوف»صاحب الرواية الشهيرة «الدون الهادئ» وكانت الرحلة في تلك المرة إلى الولايات المتحدة الأميركية، وفي العالم الجديد البعيد أستوقف شولوخوف فريق من الصحفيين الأميركين وسئلوه: «كيف رأيت أميركا»؟ فقال: «هنا يلمس عظمة الإنسان وتفاهته... ففي نفس اللحظة التي أتوقف فيها متأملا الانجازات الضخمة التي حققتموها خلال عمر بلادكم القصير، أصعد إلى الطابق الثلاثين بعد المائة في ناطحات السحاب، فلا أرى تحتي سوى «حشرات» صغيرة بالكاد ترى، أنا أكره لقاء الناس من هذا الارتفاع الشاهق!! والمعنى واضح لقد باتت العلاقات الإنسانية في العصر الحديث.. عصر التقدم والاكتشافات والرفاهية هشة وضعيفة، نحن جميعا مشغولون دائما بكل شيء ولا شيء، لم يعد الاطفال يشتركون في العاب جماعية، ولم يعودوا قادرين أو مهتمين بتكوين صداقات تكبر معهم، فكل طفل لديه «آي باد» ولعبة الالكترونية وتليفزيون، ولم يعد الكبار كذلك يتبادلون الحديث إلا من خلال الهواتف النقالة، في المجالس العامة والخاصة وفي كل مكان، الكل يعبث بجهازه يتلقى ويرسل باهتمام يفوق اهتمامه بمن حوله، ولم أدهش كثيرا حين اخبرتني صديقة ذات مرة انها لم تخاطب امها وجها لوجه منذ ثلاث سنوات، بالرغم من انهما تعيشان معا في منزل كبير له بابان منفصلان، تعيش الأم في الجزء الاكبر منه والابنة في الجزء الاصغر، وكانت كل منهما تكتفي بتقصي أخبار الاخرى ومن باب الواجب عن طريق الهاتف، وهذا يحدث مرة أو مرتين في الاسبوع، وعندما تعرضت تلك الفتاة لحادث وذهبت والدتها لزيارتها لم تعرفها، لقد بدت الام أصغر من ابنتها بعشر سنوات على الاقل.. ولم تستغرق تلك الزيارة طويلا، إذ رفضت الام العرض بالجلوس وظلت واقفة بتوتر وهي تنظر للسقف تارة ولساعتها تارة اخرى.. وعلقت صديقتي بمرارة بعد ذهابها: «لقد وجدت وقتا لاجراء عمليات كثيرة وضنت على ابنتها الوحيدة ببضع دقائق «لكنها اعترفت فيما بعد انها ارتاحت من قصر الزيارة، فلو طالت لما وجدت ما تتحدثان عنه.. لقد مات الحوار وماتت العواطف منذ زمن بعيد.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري