كتاب وأراء

تحية إلى مدينة قدسيا

لم تنقل وسائل الإعلام (الثورية ) السورية ولا غير السورية ،خبر خروج أهالي مدينة قدسيا بريف دمشق بمظاهرات تطالب بوقف الحرب، ووقف الدمار الذي عاد ليطال بلدتهم، أهالي قدسيا الذين خرجوا في بداية الثورة السورية بمظاهرات سلمية ضد النظام، وقدموا عددا كبيرا من الضحايا والشهداء ، وطالهم مثلما طال غيرهم من البلدات والمدن الثائرة، الاقتحام والقصف والمجازر والتهجير، ومثل غيرهم تسلح بعضهم في بداية تسليح الثورة،وانتمى بعضهم إلى الجيش الحر، ولاحقا إلى الكتائب الإسلامية في نفس سياق الثورة السورية، وصمد أهلها ومدنيوها في بيوتهم رافضين الخروج،رغم كل ما تعرضوا له من قهر وحصار وتجويع وإلى ما هنالك من وسائل التعذيب التي يملكها النظام وحلفاؤه، حتى بدأت اللعبة الدولية الأخيرة والتي باع بها العالم بصفقة ما سوريا إلى روسيا لتصبح سوريا محمية روسية أو دولة صغيرة ينتدبها الروس ويتصرفون فيها كما لو أنهم يملكون كل ما فيها.
ومع هذه الصفقة أخذ جنون الآلة الحربية منحى آخر،المزيد من القصف والتدمير والتهديد لفرض ما أسموه مصالحات على السكان اوالبدء بعمليات التهجير المفروضة على الناس في كل ريف دمشق تقريبا حتى الآن.
ربما استشعر أهالي قدسيا الخطر قبل أن تتدمر مدينتهم مثل غيرها، فخرجوا في مظاهراتهم مطالبين بوقف هذه الحرب العبثية والمجنونة ، بعد أن عادت براميل الموت لتسقط فوق رؤوسهم، مما أسفر عن موافقة المسلحين على الخروج بالباصات الخضر الشهيرة نحو إدلب منعا لتدمير البلدة.
ما حدث ، والصور التي تناقلها قلة قليلة عن المظاهرات التي حدثت في البلدة ، على الرغم أن لاشيء في تلك المظاهرات كان ضد الثورة أو عودة لحضن النظام، ماحدث يبدو أنه لم يثر شهية الإعلام الثوري على تداوله، الإعلام الذي بات بعتاش على قتل الناس وموتهم، مخونا، عن سوء أو حسن نية، كل من يريد وقف الموت والقتل والدمار في سوريا،حتى لو كان ممن أصر على البقاء في أرضه محاصرا ومعرضا للموت المباشر، بينما هذا الإعلام ومن يعملن به يعيشون في ترف الأمان خارج سوريا هم وعائلاتهم.
والأدهى من التجاهل لهذه المظاهرات، هو محاولات بعض الناشطين إظهارها كما لو أنها مسرحية من قبل النظام، الذي لم يعد يهمه لا وضع سيناريوهات ولا إجبار أحد على التمثيل، بعد أن اتضح أن العالم برمته يوافق على ما يرتكبه من جرائم يومية متواصلة بحق المدنيين دون أن يرف جفن لهذا العالم.
قد يكون أهل قدسيا قد اختاروا الخيار الأصعب ، وربما يدركون أن مافعلوه ثمة من سيخونهم عليه، لكنهم انحازوا لحياتهم وحياة أبنائهم، مدركين أن أي خطوة تصعيدية ستكون هي البداية لتدمير البلدة بكاملها وتهجير أهلها، أدركوا أنهم لا يستطيعون الوقوف في وجه الطائرات ولا البراميل، ولا يملك مسلحوها ما يمكنهم إيقافها، فاختاروا خيارا صعبا عليهم حتما ، لكنه الخيار الوحيد الذي يضمن لهم تجنب قتلهم أو تشريدهم هنا وهناك، ويبدو أن مسلحي قدسيا قد أدركوا ذلك جيدا فوافقوا على الخروج حفاظاعلى أمان البلدة دون أن يبادروا إلى التصعيد لا ضد المدنيين ولا ضد النظام في إمكاناتهم البسيطة، السلام لقدسيا ولثوارها والتحية لصمود أهليها خلال السنوات الماضية ، ذات يوم قريب سيعود من غادرها ورأسه مرفوعة فالحق لا بد أن ينتصر في النهاية.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران