كتاب وأراء

حكمة سلحفائية

وهي في أرذل العمر، احتفلت بعيد ميلادها السابع والستين بعد المائة وهي تقضم وجبة لذيذة من الزهور!
«الزهور.. والمشي بخطوات بطيئة.. بطيئة جدا ذلك هو السر»!
هكذا قالت بينها وبين نفسها، وهي تقرأ في عيون المحتفلين معها بعيد ميلادها سؤالا حارا عن سر كل هذا العمر الخرافي في الأرض!
«هابي بيرز دي تو يو» «هارييت
«هابي بيرز دي توووو يووو»!
انطلقت هكذا ترانيم الاحتفال، في نبرات فيها لثغة وفيها بحة وفيها آثار سعال وفيها آثار شيخوخة، من عشرات الحناجر التي تحلقت في فرح، وفي فضول حول أطول الكائنات عمرا في الارض.
هولييت، رأت النور لاول مرة في إحدى جزر جالا باجوس، القريبة من استراليا في العام 1930 م وهي طفلة شقية لا تتجاوز الخامسة، استوقفت ملامحها المميزة احد علماء الوراثة البريطانيين.. ابتسم، ارح يداعبها أياما، وفي اليوم العاشر أبحر بها العالم تشارلز داروين، إلى بريطانيا.. ثم منها بعد سنوات إلى استراليا حيث استقرت في الـ «صن شاين كوست» الجميلة!
«هابي بيرز دي تو يو» هارييت
«هابي بيرز دي توووو يووو»!
كانت في فمها زهرة، وهي تتمشى ببطء، وببطء تبتسم بينها وبين نفسها وتقول «اجل.. الزهور.. والتأني.. هما السر»!
اجل يا هولييت ما يقصف العمر «المعدة والتسرع».... اجل اننا نرهق اجسادنا إلى درجة الفناء بالدهون والشحوم والاملاح والسكريات، ونسعى حتفنا بتسرعنا.. تسرعنا في بلوغ القمة، وقطع الطريق، واطلاق الاحكام، وطلب المجد!
«هابي بيرز دي تو يو»
«هابي بيرز دي توووو يووو».. هارييت!
لا تزال ابتسامتها، بينها وبين نفسها، معلقة في مكان ما في مراكز الابتسام فيها، حين انضم إلى الاحتفال ثمة اناس آخرون، في عيونهم الممتلئة بالاستغراب ذات السؤال الحار.
اتسعت الابتسامة - بينها وبين نفسها – في هذه المرة قالت «الازهار.. والتأني الممل.. والابتعاد ايضا عن السياسة»!
تلقفت منها الكلمة الاخيرة، ايضا... من حكمتها الخالدة، و... حين امسكت قلمي لأكتب، وجدت نفسي اخرج عن «نص السياسة» اللعين!
أجل... خذوا الحكمة أيضا من سلحفاة عتيقة.. سلحفاة اسمها هولييت.

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار