كتاب وأراء

الصين وحمير العالم

الاستيراد الصيني والآسيوي المفرط لـ «الحمير» لفت أنظار دول عدة في العالم، وقيل إن الصين لجأت إلى استيراد «الحمير» من دول عرفت بنحافة قائمة صادراتها، وبالتالي سترحب مثل هذه الدول أن تصدر أي سلعة، أو أي بضاعة، حتى لو كانت «حمير».
ومع ذلك ارتابت الدول المصدرة للحمير للصين في الأمر، وزاد الارتياب والشك، إلى أن خافت هذه الدول - واغلبها دول افريقية - على ثروتها من الحمير، فأوقفت تصديرها للصين، فمثلا أعلنت «النيجر» فرض حظر على تصدير الحمير هذا الشهر بعد زيادة توريد الحمير إلى دول آسيوية، بنسبة ثلاث مرات عن العام الماضي، فيما أوقفت «بوركينا فاسو» تصدير جلود الحمير.
مما قيل في اسباب شراهة بلاد العم ماو - وغيرها في القارة الصفراء - لاستيراد الحمير أن الصينيين يستخرجون من جلدها عنصرا يشبه الجيلاتين، يستخدم في العلاج الصيني، الخاص بتحسين الدورة الدموية، وعلاج الدوار.
الصين وجدت نفسها في مأزق، بعد هذا الموقف الافريقي من توريدها الحمير، فبدأ التنين الاصفر يعتمد جزئيا على حميره، مما أدى إلى انخفاض أعداد الحمير في الصين من 11 مليونا إلى 6 ملايين، ما يعني أن 5 ملايين حمار صيني طارت رقبته، وأصبحت اشياء ومواد في هذه الحمير أدوية في الصيدليات الصينية.
المشكلة تكمن في تعداد السكان بالصين، فالانتاج الدوائي لبلد تجاوزت ديموغرافيته المليار نسمة بكثير، يحتاج إلى عدد هائل من المواد الخام الدوائية المستخرجة من جلد الحمير، ما يعني أن الصين لن يكفيها كل حمير العالم،
غير أن القضية لها وجه آخر مسكوت عنه، وهو اننا مثلا - أي بلد عربي- لم نفكر في إماطة اللثام عن أسرار الصين الدوائية المستخرجة من جلد الحمير، وما مدى حاجة خريطة الأمراض في المنطقة لهذه الادوية، فإذا كان لدينا حمير لا نعرف قيمتها، فلماذا لا نسعى لأن نتحول إلى موردين لهذه الادوية للصين.
الصين وبعض جيرانها عرفوا منذ عقود بقيامهم بعمل هندسة عكسية لمعظم الصناعات الغربية، وأنتجوا فائضا هائلا من قطع غيار السيارات والآلات والاجهزة المنزلية، التي مازالت تملأ أسواق العالم لرخص سعرها قياسا على سعر نظيرتها الغربية، أي أن الصين وغيرها في آسيا أجازت لنفسها هذه الهندسة العكسية الصناعية، فلماذا لا نفعل الشيء ذاته؟
وأحدث الحوادث في هذا الصدد أن وزارة العدل الأميركية كشفت أن محكمة أميركية قضت بسجن رجل صيني، لمدة ثلاث سنوات، بتهمة التخطيط لسرقة بذور ذرة أميركية ذات تقنية عالية بهدف نقلها إلى الصين.
الثورة التقنية المطردة أحالت الحمير إلى تقاعد أزلي، فلماذا لا نسعى إلى تربية الحمير، والإفادة مما في جلودها من مستحضرات طبية غالية الثمن من دون أن نطير رقابها، كما يفعل حاليا من يستوردون الحمير؟ لماذا لا نكون اكثر رأفة بهذا الحيوان المطيع جدا، وتكون علاقتنا به علاقة تكافلية، فنوفر له حياة رغدة مقابل أن نحصل منه على مستحضرات طبية، دون أن نفقده حياته؟

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي