كتاب وأراء

السودان وأميركا: واشنطن ترفع جزرة

أنهت (الخرطوم وواشنطن)، أهم مفاوضات بينهما، طوال فترة حكم الرئيس عمر البشير، التي تمتدُّ لسبعة وعشرين عاماً. يوجدُ مُتغيِّرٌ جديدٌ في واقع العلاقة بين البلدَيْن، يَسمحُ بتوقُّع تحسُّنٍ كبيرٍ سيطرأ عليها في الفترة القادمة، بانت مؤشِّراته هذه الأيام.
من الواضح أن الولايات المتحدة الأميركيَّة في هذه المرحلة، حريصةٌ على إنهاء بؤر الحرب والنزاع المُتعدِّدة في السودان، وإغلاق الباب أمام أيِّ مسعىً لخلق حالة اضطراب في هذا الوطن، ذي التأثير البالغ على الأوضاع في المنطقة العربيَّة والإفريقيَّة.
صارت الآن مشاريع مكافحة الإرهاب، ومنع تدفقات المهاجرين إلى الدول الغربيَّة، مُقدَّمةً على أي قضايا أخرى لدى القوى الدوليَّة، وفي مقدمتها الولايات المُتحدَّة الأميركيَّة. الاستراتيجيَّة الجديدة لتعامل الدول الغربيَّة مع الملفِّ السوداني، ضيَّقت هامش المُناورات للحركات الحاملة للسلاح، التي تُريد عبر السلاح فرض واقعٍ سياسيٍّ جديد، في مقابل إسهام المُتغيِّرات في توسيع هامش التحرُّك للدبلوماسية السودانية.
واشنطن إلى وقتٍ قريبٍ، كانت تَعتبرُ حكومة الخرطوم، تُمثِّل أكبرَ مُهدِّدٍ للأمن القومي الأميركي في دول جنوب الصحراء.
وقد ذكر الباحث في الكونقرس، تيد داقني، القريب من الدوائر المُعادية للسودان: (إن الدوافع الحقيقيَّة للنخبة الأميركيَّة التي تجعل من السودان شغلها الشاغل، هي سعيها لتفكيك الدولة التاريخيَّة المركزيَّة التي تتحكَّم فيها الأقليَّة العربيَّة المُسلمة، التي أفرزت حكومة الإنقاذ برئاسة عمر البشير، كأحد أبرز تمظهرات وتجليات المشروع العروبي الإسلامي في السودان).
وقبل سنوات قلائل، ذكر قنصل سفارة السودان بواشنطن خالد موسى دفع الله، في مقال نُشِرَ بصُحف الخرطوم، أن أحد الناشطين المُتعاطفين مع السودان بواشنطن قال له: (إن الوقوف ضد الحملة العدائية ضد السودان كمن يحارب فيلقاً من الدَّبَّابات بمُسدَّس صغير، فلا يجرؤ أحدٌ على الوقوف في وجه هذا السيل الهادر من العداء، الذي تحوَّل إلى صناعة لها إعلامها وميزانيَّتها وجيشٌ من الناشطين. ولعل أبرز دليل على ذلك هو أن الدخل السنوي لمدير منظمة «تحالف إنقاذ دارفور»، جيري فاولر، أكبر من دخل الرئيس الأميركي).
تفرض العقوباتُ الأميركيَّة على البنوك التي تكسر الحظر المفروض على بعض الدول ومنها السودان، حظرَها من تحويل أيِّ عملة أخرى إلى دولار أميركي.
هذه العقوبات تُقوِّض قدرة البنوك على إجراء تعاملات دوليَّة في السوق المصرفيَّة، كما إن البنوك تخسر مؤقتاً ترخيص العمل في الولايات المتحدة، وتجمد أنشطتها الأميركية، فضلاً عن ما يتبع ذلك من إيقاف العمالة وغيرها.
المفاوضات السريَّة والعلنيَّة بين الخرطوم وواشنطن، أثمرت تقدماً ملحوظاً في درجة الإعفاءات، حيث اُتُّخِذَ قرارٌ برفع إعفاء التقانة والبرمجيَّات والآلات الزراعيَّة، ثم جاءت الأدوية والمُعدَّات الطبيَّة، بعد ذلك التعليم العالي، وأخيراً حدث انفراجٌ نسبيٌّ في ملفِّ التَّحويلات البنكيَّة. ولعلَّ البيان الختامي في المباحثات الأخيرة، أشار إلى أن المُعاملات التي تتمُّ عبر بنوك أميركيَّة، وفيها شراء سلع أو دولار، سيُسمح بها إن كان لها بُعْدٌ إنسانيٌّ. أما البنوك غير الأميركية، فيُسمح لها بالسلع والدولار دون حظر.
لم أجد أفضل وأوضح من إجابة البروفيسور إبراهيم غندور، وزير الخارجية السوداني، في تلخيص مجمل ما حدث بين الخرطوم وواشنطن، حين قال:
(نحن نسير في الطريق الصحيح، ليس من السهولة لعقوبات عمرها أكثر من (23) عاماً أن تُرفع في حوار أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو اثنين، الأمر يحتاج لحوار مُطوَّل وإلى بناء ثقة وبعد ذلك الوصول إلى قواسم مشتركة في الحوار وأجندته، وكيفية تأكد كُلِّ طرفٍ من أن الطرف الآخر يلتزم بما تم الاتفاق عليه).
بغضِّ النظر عن الحسابات التفصيلية المُباشرة، أهمُّ ما حدث في علاقة الخرطوم بواشنطن في المباحثات الأخيرة، هو تغيير المسار من تصعيد العقوبات والتمسُّك بها، إلى رفعها وتفهُّم ما ألحقت من مضار بالمواطنين وليس بالحاكمين.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال