كتاب وأراء

الـذي «كاد» أن يكـون رســولا

عندما كنا صغاراً كانوا يسألون الطفل: ماذا تريد أن تكون في المسـتقبل؟ وكان الجـواب محصوراً في أربع مهـن: طبيب ومهندس وضابط ومدرس، وكانوا يصرون على كلمـة «مدرس» لأن العـرف السـائد يقول إن هذا «يدرّس» في الثانويـة، أما «المعلم» فهـو معلم الابتدائية، وكم كان في هذه النظرة من قصور وتخلف، فالاثنان «يعلـّمان» وإذا كان أحد يستحق لقب «المربي» فهو معلم الابتدائية، لأنه يتسلم أطفالاً بعقول غضة، ويسـتطيع أن يزرع فيها ما يشـاء، أما «المدرس» فإن مهمتـه أن ينقل المعلومـات إلى عـقول نضجت، وهي عادة معلومات ومعارف في علم واحد. فيما بعد سـقطت ثلاث مهن من الخيارات، ولم يبق إلا الطبيب، وأول مهنة سقطت مهنة «التدريس».
احتفلت البلاد مع دول كثيرة باليوم العالمي للمعلم في الخامس من أكتوبر الذي أقرته الدول في 1994 تنفيذاً لتوصية مشـتركة من منظمـة العمل الدولية واليونسـكو 1966، لكن دولاً كثيـرة تحتفل به في تواريخ أخرى مثلاً: إندونيسـيا 25 نوفمبـر، الهند 5 سـبتمبر، ألبانيا 7 يونيو، التشيك 28 مارس، اليمن 5 مايو، وهكذا. وليس المهم أن نحتفل بمناسبة ما في يوم ما من السـنة، ثم ننسـاها، المهم أن تبقى روح الاحتـفال طوال العام، بل أن تسـتمر وتصير عقلية سائدة.
في تلـك الأيام كان من حق الطفـل أن يحلم بأن يكون معلـماَ (أو مدرّسـاً) فـللمهنة قدسـيتها وبريقها، وكان المعلم شخصية اجتماعية مرموقة، ولم يكن يعاني العوز المادي عندما كان كيلو الـلحم بربع دولار. كان المعلم يرد للمجتمع فـضله، فلا يكتـفي بحشـو أذهـان التلاميذ بالمعلومـات، بل كان موسـوعة صغيرة متنـقلـة، وهـو القـدوة والمثال في اللبس والسـلوك والثـقافة، وكان لديه الوقـت ليزداد اطلاعاً على المعارف المختـلفة، وكانت الوزارة تدعى «وزارة المعارف» وهو اسم أفضل مما جاء بعده، ولا أدري لماذا غيروه. كانت المدرسة قلعة للتربية والسلوك والعلم، تخرّج طلاباً يعرفون كيف يشقون طريقهم في الحياة، وانتهى هذا كله، أين هو ذلك المعلم؟ وأين هي تلك المدرسة؟ سقى الـلـه أيامهما.
إذا أردنا عـودة تلـك الأيام فإن علينا أن نعـيد ذلك المعلـم والمدرس، يجـب أن يكون أعـلى الموظفين أجراً، وهذا إغراء للشباب والصبايا للالتحاق بهذه المهنة، وأن نربي أطفالنا على احترامـه واحتـرام عـلمه وما يقـدمه، حتى لو أخطأ، وعندها سـيخرج الطالب والتـلميذ من المدرسة، وقد تزود بكل ما يحتاج، لأن المعلم أعطاه كل ما عنده.
قال لي مربٍّ فاضل هـو الدكتور محمـد إبراهيم كاظم أول مدير لجامعـة قطر رحمه الـلـه: أهمل المجتمع المعلم بل اضطهده، فردَّ لهم «معروفهم» في أولادهم.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين