كتاب وأراء

الحمير في العلاقات الدولية.. بين الرمزية والربحية

الحمير في العلاقات الدولية كثيرة بالمعنيين المباشر والمجازي. لكن عددها بالمعنى الثاني يزيد يقيناً عن عددها بالمعنى الأول. فالحمير الحقيقية التي تدب على أربع وصل عددها حول العالم في 2004 إلى 44 مليوناً وفق كتاب شيق بعنوان «الحمير والناس والتنمية» صدر في نفس العام وحرره كل من «دينس فيلدنج» و«بول ستاركي». وهو عدد يقل بكثير عن المستحمرين من البشر الذين يتعرضون برغم آدميتهم إلى المهانة والسخرية والاستغباء وسوء معاملة يفوق أحياناً ما تتعرض له الحمير الناهقة. ولا غرابة في السياسة عموماً وفي السياسة الدولية خصوصاً من الاستعارة من قاموس الحيوان طالما هناك دول تفترس كالأسود وأخرى تمكر كالثعالب وثالثة تصبر وتُظلم كالحمير.
لقد بات الحمير مادة للجدل وموضوعاً للسياسة بأكثر من شكل من بينها الشكل الرمزي. فالحزبان الكبيران في الولايات المتحدة، الديمقراطي والجمهوري، أو الحمار والفيل بحسب الرمزين اللذين اتخذاهما منذ 1870، يقدمان طرحين مختلفين للسياسة الخارجية وما يجب أن تكون عليه علاقات أميركا بالعالم. مثال آخر نقلته الصحف المصرية ووكالات الأنباء العالمية قبل أشهر عن حمار يسير بمحيط مطار القاهرة وهو ما تحول إلى مادة للجدل السياسي بين من اعتبره حيلة إخوانية لتشويه السمعة ومن جادل بأنه دليل على التراخي والتسيب. كذلك عرفت السياسة الدولية حالات تحولت فيها الحمير إلى رمز للسخرية ومقاومة المستعمر. المقاومة الفلسطينية مثلاً فجرت حماراً بالقرب من دورية إسرائيلية، وهو ما تكرر في العراق ضد القوات الأميركية وفي أفغانستان ضد فصيل من القوات البريطانية بالقرب من منطقة هلمند.
وبجانب قيمتها الرمزية فإن للحمير قيمة أخرى ربحية لفتت الصين الأنظار إليها بشدة عبر مشروع تريد من خلاله جلب كل حمير العالم إلى أراضيها، وهو للمفارقة أمر لم ولن يحققه ولو حتى بضع عشرات من ملايين البشر من اللاجئين حول العالم الآملين في أي مأوى آمن يضمهم. فالصين هي المستهلك الأكبر للحمير، وقد تسببت بشرهها الاستهلاكي في نقص عددها من 44 مليوناً في 2004 إلى 41 مليوناً حالياً. وهي الدولة التي رفعت سعر الحمار الواحد في النيجر على سبيل المثال من 34 دولاراً في 2015 إلى 147 دولاراً في 2016. وقد در ذلك على تلك الدولة الأفريقية الفقيرة ما يقرب من 12 مليون دولار. وهو ما جرى كذلك مع بوركينا فاسو التي ارتفعت مبيعاتها من الحمير إلى الصين من 1000 في 2015 إلى 18000 في العام الجاري.
وتبحث الصين عن الحمير في كل إتجاه. لكن بسبب ارتفاع كلفة شرائها من دول غرب أوروبا فضلاً عن قلة عددها، استهدفت الصين مناطق أوفر حميراً وأرخص سعراً من بينها أثيوبيا التي تقدر ثروتها بنحو خمسة ملايين حمار ومن بينها أيضاً دول الكاريبي وأميركا اللاتينية التي تملك نحو 7.5 مليون حمار تستهدف الصين جلب مليون منها من البرازيل وحدها، فضلاً عن دول الشرق الأوسط التي يقدر عدد الحمير فيها بنحو 2 مليون حمار. وتسعى الصين من ذلك إلى سد احتياجاتها من جلود الحمير الذي تستعمله في إنتاج مادة طبية تسمى «إيجياو» تدخل في صناعات دوائية تهتم بها الشرائح الاجتماعية المرفهة ذات الميول الاستهلاكية. ولكي تتمكن من إنتاج 5000 طن من تلك المادة سنوياً يتعين على الصين أن تستورد أربعة ملايين حمار تضيفهم إلى 1.8 مليون توفرهم محلياً.
وبرغم القيود التي بدأت الدول المصدرة تفرضها على مبيعاتها من الحمير للصين تجنباً لانقراضها ورغبة في رفع سعرها، فإن النهم الاستهلاكي الصيني للحمير يتواصل لافتاً الانتباه إلى طبيعة تلك القوة العالمية القادمة التي تبدو مستعدة لخوض حروب الموارد حتى لو كانت بسيطة وبدائية وبكل ما أويت من وسائل. وعلى هامش ما يقرأه المرء عن الإرتفاع العالمي لأسعار الحمير فلا بد أن يشعر بالألم بسبب تهاوي قيمة الإنسان أمام الحمار بالأخص في بعض بلداننا. فبينما رفع النهم الصيني سعر الحمار إلى قرابة 150 دولاراً صرح أحد وزراء التخطيط العرب السابقين قبل أيام بأن من يعيش على دولار ونصف يومياً لا يعتبر فقيراً، وكأنه مكتوب على المستحمرين من البشر أن يعيشوا كل مائة يوم من عمرهم بسعر حمار واحد تشتريه الصين.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات