كتاب وأراء

الثعلب: مدخل إلى عالم دي.اتش. لورانس

«وخفضت عينيها، وفجأة رأت الثعلب. كان يرفع بصره إليها. كانت ذقنها مضغوطة إلى الأسفل، وكانت عيناه تنظران إلى الأعلى، فقابلت عينيها، وعرفها.
كانت مسحورة، وعرفت أنه عرفها. لذا فقد نظر في عينيها، وخذلتها روحها. عرفها ولم يكن مرتاعا».
ثم يواصل، ديفيد هربرت لورانس، «11 سبتمبر 1885 - 2 مارس 1930م» أحد أهم الأدباء البريطانيين في القرن العشرين، ومؤلف «عشيق الليدي تشاترلي، وابنة تاجر الخيول، والخنفساء، والعديد من الروايات والمسرحيات والكتب النقدية والفكرية والشعرية»، يواصل حالة الانخطاف التي حدثت بين الغريمين، مارش، مربية الدجاج، والثعلب، في روايته (الثعلب)، التي تم انتاجها لاحقا على صورة فيلم درامي طويل يحمل نفس الاسم، وهذا التصنيف «رواية» اطلقه عليها الناشر للترجمة العربية «دار الحوار»، بينما يتم تصنيفها في موقع الكاتب نفسه على أنها «قصة قصيرة»، وهذا أمر ليس سابقة بالنسبة للدور العربية أثناء ترجمتها للأعمال الأدبية العالمية، إذ كثيراً ما يتم التدليس على القارئ بمثل هذه التوصيفات غير الحقيقية من أجل المبيعات.
لا يهم، نعود إلى هذا العمل الساحر بعيدا عن التصنيف، قصة الثعلب مع الصديقتين «بانفورد ومارش».. وبالتحديد مع لحظة الانخطاف الهائلة التي مرت بها «مارش» بعد أن نظر غريمها إلى عينيها مباشرة، غريمها الذي جعل حياتها نكدة على نحو لا يصدق، أتلف، بشكل مقصود وذكي، كل مخططاتها مع صديقتها بانفورد، على تأسيس تجارة صغيرة وغير مجهدة، ثم استثمار باقي القوت في أمورهم الخاصة.. هذا الانخطاف الذي استمر طويلا» سواء كانت تتسلق الأشجار لجني التفاح، أو تهز الأغصان لإسقاط آخر ثمار الخوخ الأرجواني، وسواء أكانت تحفر قناة تصريف من بركة البط، أم تنظف المخزن، وعندما تكون قد انتهت، أو عندما كانت تعدل قامتها وتدفع خصلات شعرها بعيدا عن جبهتها مرة أخرى، وتزم فمها ثانية بطريقة ملتوية غريبة أكبر سنا من أعوامها بكثير، كان من المؤكد أن سحر الثعلب سيعن على بالها كما حدث عندما كان ينظر إليها. كان يبدو وكأنها تستطيع أن تشم رائحته في هذه الأوقات. وكان هذا السحر يعاودها دائما في لحظات غير متوقعة، في الوقت الذي تذهب للنوم في الليل، أو في الوقت الذي تصب فيه الماء في إبريق الشاي.. كان الثعلب وكان يصيبها مس كالسحر»، دون إرادة مارش نفسها، بات هذا الخصم يطاردها في روحها، هذا الخصم اللدود، الذي ربما لم يعد خصما على وجه الدقة إلا في الظاهر، حيث تكون للأمور مسمياتها، وحيث لا يمكن القبول بأي أفكار تجاه هذه الثعلب الماكر واللعين إلا أفكار المطاردة والتربص ومحاولة القتل، لكن في الجواني منها، داخلها كان الأمر مختلفا، ويختلف مع تتابع الأحداث وتطور الحكاية.. ذلك التطور غير المتوقع والذي كانت بدايته مع ظهور الشاب «هنري» على عتبة باب الصديقتين، وكان بالنسبة لمارش: «هو الثعلب. سواء كان ذلك في امتداد رأسه إلى الأمام أو تلألؤ الشعيرات الدقيقة البيض على عظم وجنتيه المتوردتين، أو عينيه اللامعين الحادتين، فذلك ما لا يمكن أن يقال أبدا: ولكن الفتى كان بالنسبة لها الثعلب، ولم يكن في استطاعتها أن تراه غير ذلك»، هذا التطور، والتآخي العجيب بين هنري والثعلب، حتى بعد أن تمكن من قتله، وأصبح هو ثعلب القصة الوحيد.. كانت هذه إطلالة سريعة ومراجعة خاطفة لعمل في غاية المتعة والإبداع، يعتبر مدخلا – أنا من يعتبره مدخلا- مشجعا إلى عالم الكاتب العظيم د.ش. لورانس، للذين لم يسبق لهم الدخول إلى هناك.
بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد