كتاب وأراء

«محدث نعمة»

داليا الحديدي

لكم التفت لمصطلح «محدث النعمة» والذي عادة ما يستخدم لذم فئة من البشر ذاقت السراء بعد الضراء واستحدثت النعمة بعد الابتلاء
والتعبير له نظيره الأجنبي «NOUVEAU RICHE»
ويُترجم حرفياً «بمحدثي الثراء» الذين منّ الله عليهم بمال، منصب أو حتى بملابس جديدة، فيمشون بين الناس فرحين بالنعمة التي ظهرت ملامحها عليهم، فيلاقون سخرية من محيطهم.
والقادحون يذمون محدثي الثراء من منطق يصدر عن تعال مفاده أننا كابر عن كابر أولاد أكابر، اعتدنا النعم ولم نطعم الشبع بعد جوع.
وصدقاً أجد هذا الإحداث محمدة من حيث هو.. فما أجمل الجدة والحداثة في مشاعرنا حينما تتمظهر في لوحة فرح فاقعة، خام غير مصطنعة حينما تختبر أول الأشياء:
أول سفرة، أول سيارة بعد المواصلات، أول بيت تمليك بعد سني إيجار، أول نجاح بعد طول إخفاق، أول يوم دراسة، أول بعثة، أول هدية، أول رسالة، أول لقاء، أول حمل، أول طفل، أول شهادة، أول عمرة، أول وظيفة، أول راتب، أول ترقية، أول علاوة...
دعونا نتفق على أن كثر من البشر صعب إرضاؤهم، فعملية استشعارنا لعطايا الله الموجودة بين أيدينا عصية للغاية.. فمؤمن حقاً من استطاع تلمس واستشعار السعادة في القيم الموجود أو حتى في ذكراها.
فالعامة لا يشعرون بنعم الله إلا في أولها أو بعيد فقدانها، وعلى حداثتها، فقلة لديهم شجاعة الإعراب عن الفرحة بما وهبوا، فتراهم يتقمصون قمصان الشخصية المترفعة، بلسان حال: «إنما أوتيته على علم عندي».
ولي صديقة روت لي كيف كانت من أسرة أقرب للثراء منه للفقر، لكنها لم تكن تستشعر النعم، فلم تكن ترى في بيت أهلها أي قيم جمالية وبعد الزواج، اشترى لها الأهل أثاثا كاملا من صالون لويس 16 وسواه، لكنها لم تكن ترى سعادة في هذه الموجودات كونها كانت تتوقعها.
لكن ما لم تكن تتوقعه هو انتقالها للعيش مع زوجها في دولة أخرى في منزل أثاثه مستعمل، فلا صالون، بل مجرد أريكة مهشمة وأسرة محطمة ومكتب حديدي بغيض، فعاشت على هذا الشظف تسعاً، ثم دعت الله أن يمن عليها ثانيةً بصالون لويس 16 وستكون من الشاكرين واشترته بالقطعة، بحيث كانت تدخر مبلغاً، فتشتري كرسيا، ثم آخر حتى وصل الصالون كاملاً، وما أن وضع بدارها حتى وضعت رأسها أرضاً شكراً لله على نفس الصالون اللويس 16 الذي كان موضوعاً بدارها لكنه لم يكن -آ نذاك- يثير فيها أي سعادة، فعلّمها الله كيف تستشعر قيم الأشياء، فاشترت سائر الأثاث على هذا النحو قطعة قطعة فسجدة شكر، تتبعها سعادة بالغة.
وحتى في الإنجاب تقول: «لم أكن أحب الأطفال، حيث كنت أعمل باحدى الحضانات فنفرت من شقاوة الأطفال، فحُرمت الأنجاب لست سنوات، ذقت خلالها مرارة المعايرة وسمعت مراراً لقبي «العقيمة»، فاستغفرت الله ودعوته في السحر لسنوات وأديت أربع عمرات وقبيل الحج ذهبت بإيعاز من زوجي للطبيبة لتعطيني دواء يؤخر الطمث لأستطيع استكمال مناسك الحج، فرفضت الطبيبة لأضرار تلك الأدوية بعملية التبويض، فذهبت للحج ودعوت على باب الملتزم ثم أجريت تحليلا للحمل فوجدتني حامل فلكم استشعرت السعادة وعدت لموطني لأجد جارتي التي تزوجت من شهر حامل، فأمضيت أنا الأشهر التسعة في قمة السعادة بتجربة حداثة آلام الحمل فيما أمضتها جارتي تذمراً من متاعبه!
صدقاً تحتاج منا السعادة لاجتهاد ووعي كي لا تضطر الأقدار للتعامل معنا بشدة.

داليا الحديدي