كتاب وأراء

الانتخابات الأميركية.. انقلاب في المعايير

- عاطف الغمري
لم يحدث أن انفرط عقد التوافق الداخلي في الولايات المتحدة، مثلما هو حادث الآن، في سباق انتخابات الرئاسة. فأميركا الآن حسب وصف كبار كتابها «دولة منقسمة».
وبالرغم من أن معظم المؤشرات كانت ترجح هزيمة دونالد ترامب، وفوز هيلاري كلينتون، بالرئاسة في انتخابات نوفمبر القادم، إلا أن الوضع المنقسم على نفسه داخليا، لم يترك مساحة للتوقعات التقليدية، التي كانت تؤكد من سيفوز، بل أنها لم تعد تستبعد فوز ترامب، إلا إذا ظهرت عناصر مؤثرة على الناخبين في اللحظة الأخيرة، يكون من طبيعتها غلبة الحس السياسي الغائب الآن، والتقدير العقلاني، بعيدا عن هوجة المشاعر التي لا تقوم على أي أساس سياسي.
والمشكلة التي خلقت هذا الوضع، أن الانتخابات غابت عنها المحركات الحقيقة لاختيارات الناخب، والتي كانت سمة أي انتخابات في السنوات الماضية، وهي أن الاختيار بين المرشحين تحكمه الأفكار التي يستخلصها الناخب من أقوال وبرامج أي مرشح، ومن تاريخه، ومواقفه السياسية، والاجتماعية، ثم يحدد الناخب موقفه بناء عليها.
ومنشأ هذه الحالة يرجع إلى شعور متنامٍ بالرفض للسياسيين التقليديين، والذين كان وجودهم كقيادة للولايات المتحدة، يُطمئِن المواطن، على استمرارية أميركا كأقوى دولة في العالم، مهيمنة على القوى المنافسة، وقادرة على أن تمسك بزمام الأمور في كافة القضايا والأزمات الدولية والإقليمية، التي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على حياة الأميركيين، وعلى النمط الاقتصادي، والاجتماعي الذي اعتادوه. إلى أن بدأ يظهر في السنوات القليلة الماضية، فقدان القيادة، لكل هذه المواصفات، وما ظهر عليها من تناقضات في إدارة الدولة، وهو ما أفقد أميركا مصداقيتها في الخارج، وثقة الناس في قيادتها في الداخل، بحيث انطلقت سلسلة الانقسامات الداخلية، ثم ما أوضحته استطلاعات الرأي العام عن حالة الانقسام، والتي كان من أسبابها أن أيا من المرشحين المتنافسين لا يحظى بقبول عام من الناخبين، إلى درجة أن كثيرا من الناخبين يقولون سنختار الأقل سوءا، رغم علمنا بعدم جدارته.
ونتيجة لهذا، استمرت حيرة المحللين تجاه من سيفوز، خاصة أن نسب القبول لأي منهما تتأرجح صعودا وهبوطا، وليست لها خاصية الثبات. فمثلا قفزت نسبة التأييد لهيلاري كلينتون في الفترة الأخيرة إلى ما يتراوح بين 9 % و12 %، ثم هبطت فجأة إلى 2 %، بالإضافة إلى تراجع نسبة التأييد لها في الولايات المتأرجحة.
أي أن هذا الفارق البسيط، يمكن أن يغير النتيجة لصالح ترامب، في معركة تحكمها المشاعر، وردود الأفعال، وليس الأفكار، أو الأيديولوجيات، فضلا عن أن ترامب يعبر عن ملايين الأميركيين الساخطين على السياسة والسياسيين، وهو يقدم لهم وعودا تختلف عما اعتاد المرشحون تقديمها لهم. وبينما تشير استطلاعات الرأي إلى عدم وجود اتفاق عام على الثقة بهيلاري، فإن نفس الاستطلاعات تقول إن ترامب شخص غير مرغوب فيه.

عاطف الغمري