كتاب وأراء

الفيدرالية.. شروطها غائبة في سوريا

-
في إطار البحث عن مخارج تحدث انفراجا في المسارات السياسية المأزومة لعديد الأزمات العربية المعاصرة، عاد مجددا الحديث عن الفيدرالية كصيغة لإنقاذ الوضع في سوريا. ولأن الطرح هذه المرة جاء علي لسان السيد أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية، فإنه يفرض التعامل معه بمحمل الجد، ليفتح بذلك نقاشا مشروعا عما إذا كانت شروط الفيدرالية متوفرة حقا في المشهد السوري أم لا.
ويقصد بالفيدرالية في أبسط تعريفاتها وأدقها في نفس الوقت أنها شكل من أشكال الحكم يقوم في جوهره علي وجود مستويين للسلطة والحكم بمقتضي الدستور، تتوزع فيه الاختصاصات بين هذين المستويين بحيث لا يمكن لأحدهما التعدي علي اختصاصات الأخرى. ولأول وهلة تبدو المسألة سهلة أو يسيرة، وللحق هي كذلك فعلا من حيث الشكل، ولكن من حيث الجوهر والواقع علي الأرض تبدو الفيدرالية مسألة بالغة الصعوبة والتعقيد حيث تحتاج لمقدمات أو متطلبات بالغة الأهمية لكي يقدر لها النجاح.
فالمجتمع التعددي يعني ببساطة أن هناك مكونات مجتمعية تعيش بجانب بعضها البعض ولكن بينها تباينات حادة تجعل العيش المشترك صعبا، وتتراوح هذه التباينات بين الانقسامات اللغوية أو العرقية أو الدينية أو الجغرافية أو بعضها أو كلها مجتمعة.
ويتوقف تشخيص التنوع علي طبيعة الانقسام نفسه، والتطور التاريخي لكل جماعة، والمؤثرات الخارجية في قيامها. وتعد الفيدرالية من أشهر الحلول أو الأدوات لأنها تقدم حلا قويا يتسم بالدوام والرضا لاقتسام السلطة بين هذه المكونات.
ولكن حل إشكالية السلطة ليس مجرد اتفاق شكلي كما أنه وحده ليس كافيا. فمن الضروري أن تتكون عقيدة عند كل المكونات بأنها ترغب في العيش المشترك مع بعضها البعض، وأنها لا تستطيع منفردة أن تضمن لنفسها البقاء والحفاظ علي هويتها الثقافية الفرعية وإنما يمكنها تحقيق ذلك من خلال الاتحاد مع المكونات الأخرى.
كما أنه من الضروري أن تكون هناك بعض القواسم المشتركة برغم التنوع بما يشكل في النهاية هوية واحدة للدولة الفيدرالية المرجوة.
ومن الصعب تصور نجاح الحل الفيدرالي خارج نطاق الحل الديمقراطي الليبرالي لأنه وحده هو الذي يوفر مساحة واسعة للحوار والتوافق والتسامح والاعتراف بالآخر، وكلها ضرورية لضمان هذا النجاح. وتبقي أخيرا متطلبات البيئة الخارجية الحاضنة للحل الفيدرالي،لأنه ليس هناك من طائفة أو مكون اجتماعي أيا كانت مرجعيته إلا وله امتداداته الخارجية إما بحكم التاريخ أو الجغرافيا. لابد أن تبارك الأطراف الخارجية ما يتم الاتفاق عليه بين المكونات المحلية.
ومن الصعب تصور إمكانية الحل الفيدرالي للأزمة السورية في ظل عدم توافر المقدمات أو المتطلبات المذكورة سلفا. صحيح أنه يحفظ وحدة الدولة، كما أن التسوية المطروحة برعاية الأمم المتحدة تعمل في اتجاه الوحدة، ولكن لم يرد ذكر هذا الحل في هذه التسوية، فضلا عن أنه لم يرد حتى الآن في مواقف لا النظام ولا المعارضة معتدلة كانت أم متشددة باعتبارهما الأطراف المحلية التي بيدها أساسا الاتفاق من عدمه علي هذا الحل والقادرة علي توفير المتطلبات المذكورة، ولم يتردد أيضا في أوساط الأطراف الإقليمية.
فقط الجانب الروسي هو الذي لا يمانع فيه اقتناعا منه بأنه يوفر الفرصة لاستمرار النظام السوري وليس من منطلق الحرص علي وحدة الأراضي السورية.
فرص نجاح الحل تأتي مؤشراتها من داخل سوريا لا من خارجها، وهو ما ليس واضحا حتى الآن.
في هذا الإطار تصبح شروط الحل الفيدرالي غائبة في الحالة السورية خصوصا أنه حل لا تفضله المعارضة إن لم تكن تعارضه، فرضه من الخارج - حتى لو كان هذا الخارج عربيا - في ظل اتساع الفجوة في المواقف بين النظام والمعارضة،لأن بقاء هذه الفجوة يعني استمرار الصراع مستقبلا، بينما لا تنشد الفيدرالية سوي وضع نهاية سعيدة للصراع.


د.عبد العاطي محمد

عبدالعاطي محمد