كتاب وأراء

رحلة أنيس منصور الفكرية (2-2)

كتب أنيس منصور كثيرا عن رحلته الإيمانية، وله تأملات طويلة في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وكان حريصا على أن يزور قبر الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرا وكتب عن هذه الزيارات «إحساسي في مسجد الرسول شيء لا يمكن وصفه، فالصور تتداعى وتهز الوجدان فهنا كان يقيم الرسول وهنا كانت زوجاته أمهات المؤمنين وعند كتفي الرسول دفن أبو بكر، وعند قدمي الرسول دفن عمر، مكان واحد مليء بقصص الصبر والإيمان وعزيمة الرجال.
كان مسجد الرسول في زمنه صغيرا، مساحته عشرون مترا فقط في عشرين مترا وكان عدد سكان المدينة كلهم ثلاثة آلاف، نصفهم من اليهود والنصف الثاني مسلمون وشخصية الرسول الآسرة تجذب أقوى وأعظم الشخصيات من رجال العرب مع أنه لم يكن لديه جيش ولا سلطة ولا مال ولكن لديه خلقه وأمانته وصدق شخصيته فكان قدوة لمن يطلب الكمال للشخصية الإنسانية.
ويوم الإثنين له معنى وفيه سر في حياته فقد ولد يوم الإثنين وفي يوم الإثنين رفع بيديه الحجر الأسود وبدأ رحلة الهجرة إلى المدينة يوم الإثنين وبلغ المدينة يوم الإثنين ونزل عليه الوحي في غار حراء يوم الإثنين وأنجاه الله من الكفار يوم الإثنين وهو في الغار مع صاحبه أبي بكر الصديق وفي يوم الإثنين صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها وهذه من معجزات النبوة.
وكان أنيس منصور حريصا على أن يعيش في الأجواء الروحانية التي شهدت مواقف للرسول صلى الله عليه وسلم فكان يصعد جبل النور في عرفات حتى في غير أوان الحج، ويحرص على أن يصعد إلى غار حراء في مكة ليستحضر كيف كان الرسول يعتكف في هذا الغار ويتأمل في الكون والسماوات والأرض من قبل أن ينزل إليه جبريل وهو في الغار بأول كلمات الله «اقرأ» وتعددت زياراته للأماكن التي شهدت جلال النبوة في مكة والمدينة وكان يقضي أوقاتا طويلة في هذه الأماكن ويحرص على جلسات التأمل في هذه الأجواء التي نزل فيها الوحي وترددت فيها كلمات الله ورسالته لأول مرة وشهدت جبريل وسمعت صوته يحمل رسالة الله إلى العالمين إلى نبي الرحمة وقال إن هذه اللحظات كانت أمتع اللحظات في حياته.
وكان أنيس منصور مشهورا ببراعته في الحديث ولديه رصيد هائل من التجارب والذكريات والقراءات تجعل المستمعين مشدودين إلى حديثه، وحديثه فيه الجد وفيه المرح والنكتة والسخرية أيضا.
وقد كنت أحضر صالونه في مكتبه في جريدة الأهرام الذي ينعقد بدون موعد وبدون ترتيب فكنا نلتقي مجموعة من الأصدقاء والأدباء وينطلق هو في الحديث في موضوعات متعددة في الفن والأدب والدين والعلم والفلسفة ويحكي عن رحلاته حول العالم وما شاهده من الغرائب في الصين والهند وبورما وإندونيسيا وغابات إفريقيا ويتحدث عن الفضاء والكواكب والنجوم.
وكان دائما يتحدث عن صالون العقاد ويعتبر أنه أستاذه الذي أسهم بأكبر قدر في تكوينه الفكري مع الدكتور عبدالرحمن بدوي ويقول: أنا كنت تلميذا في جامعتين جامعة القاهرة وجامعة العقاد وقد كنا نشعر بمتعة في الجلوس إلى هذين العملاقين ولكن شباب الجيل الحالي لا يجد ما كنا نلقاه من رعاية الكبار واهتمامهم بنا مع أن كل جيل جديد يحتاج إلى الرعاية والتوجيه من الكبار ليستفيد من ثقافتهم وتجاربهم، وبالنسبة لجيلنا كانت الأبواب مفتوحة كنا نذهب إلى طه حسين لنستمع ونستمتع بحديثه وعلمه وتوجيهاته ولم يكن يضيق بكثرة زياراتنا وكثرة أسئلتنا والحوارات الفكرية مهمة لجدا لتكوين ملكة التفكير وملكة التحليل وملكة النقد والحوارات بين الأساتذة وتلاميذهم من التقاليد القديمة فنجد مثلا أن كل ما سجله أفلاطون هو محاورات سقراط مع تلاميذه ومع الناس العاديين والحوار يولد المعاني والأفكار في العقول، والفكر العربي محتاج إلى الحوار والتفاعل مع الأفكار التي تمتلئ بها الساحة العالمية ولا يجوز أن نحرم أنفسنا من ثمرات العقول في أنحاء العالم.

بقلم : رجب البنا

رجب البنا