كتاب وأراء

روسيا والمشروع التركي: صدامات حتمية

إلى أين تتجه رياح المشروع التركي في سوريا، هو السؤال الأهم على الساحة الإقليمية وعلاقة هذا الموقف بمستقبل الثورة والشعب، الذي يُدير عليه المحور الإرهابي الروسي مع النظام وطهران، أشرس محرقة يعيشها المشرق العربي، منذ سايكس بيكو.
ولفهم أدق نوضح العناصر التالية:
1. ميزان المصالح وخاصة في الأمن القومي التركي هو الحَكَم الأول، والمخاوف من التدخل في حرب واسعة لا يزال قائما، وهو التحفظ الذي يجري في الميدان، فالدعم للجيش السوري الحر والتحالف معه يجري بتدرج لا بتوسع.
2. مشكلة انقرة في توقفها عند التدخل المحدود، هي أن الخطر الأصلي عليها، لن يُغيّره هذا التوقف في منتصف الطريق أو ثُلثه، فالروس لديهم تصورهم الانتقالي قبل نهاية الحرب، وكذلك الأميركيون، وطهران تتقاطع مع كليهما، بقدر ما يُحدث هذا التقاطع من استنزاف لشعب الثورة، وتسوية تُوقِف الحرب وتعيد انتاج النظام.
3. اجمالا هذا الموقف في وقف الحرب وإعادة انتاج النظام، ليس حكرا على طهران، لكنه تحت توافق موسكو والغرب أيضا، لكن مشكلتهم أن هذا الوقف عجزوا عن فرضه على الميدان، رغم استنزاف الثوار وتفرقهم الكارثي.
4. لو سقطت حلب ستظل معادلة الصراع قائمة، لكنها ستستبق أي مشروع وقائي لتركيا وتُسقط مشروع تأمين حدودها، وبالتالي لم يعد يكفي الوقوف عند مدينة الباب، وسيتحول التقدم الروسي الإيراني لطي مساحة مصالح تركيا وتحالفاتها.
5. لذلك انصرم عمليا الاتفاق بين موسكو وأنقرة عند جرابلس، ولكن دون أن يعود التوتر الذي ساد بعد اسقاط المقاتلة الروسية وهو الأهم لتركيا ويبدو لموسكو أيضا، وليس صحيحاً أن هناك خطة تكاملية بين الطرفين، فالخلاف واسع بينهما، حول مصير دمشق، كما أن تركيا تعتقد بأن الأسد لا يصلح للبقاء، لأي فترة، لكونه غير مؤهل لميكانيكية أي حل.
6. عليه فإن هناك صراعا بين مشروع موسكو في حلب ومشروع تركيا، على الميدان، وهذا قد يأخذ مرحلة زمنية، للحسم لأي منهما، والخلاف الأميركي مع موسكو هامشي، أما مع انقرة فهو رئيسي لرفض واشنطن، أصل المعادلة عبر تقدم الجيش السوري الحر لحسم مركزي يقلب خريطة المعركة.
7. لكن أنقرة اليوم، لا خيار لها دون مواصلة هذه الخطة وهي قلب خريطة الميدان، لتخضع بقية الأطراف لمشروع انتقالي، اضطراري يوقف الحرب، وينقل الحكم دون قاعدة الأسد الخاصة، وبالتالي يوافق الروس على هذا السيناريو.
8. وهنا مشكلة تركيا، والتي تحتاج إلى رفع مستوى الدعم ونوعيته، والخروج من مضيق الروس الصعب إلى قاعدة اللعبة الجديدة، وهو يتطلب الحفاظ على مساحة الصراع مع موسكو تحت السيطرة، والتقدم مع الجيش السوري الحر باطراد، دون الحاجة لزج مزيد من القوات ولكن بتدريب ودعم نوعي للجيش الحر، يتزامن مع تحييد الأميركيين، خاصة بعد ضرب مشروعهم في جماعة صالح مسلم PYD.
ولعل الرئيس أردوغان يميل لذلك، وخاصة بعد الدعم الذي تلقاه من الرياض والدوحة في هذا المسار، لكن لا يبدو أن غرفة القرار المركزية في الدولة التركية، قد حسمت هذا المسار، بما فيه ما يتردد عن المضادات، فلا يوجد أي رصد فعلي لذلك.
وكل ما يجري من تواصل بين الحلف القديم لدعم ثوار سوريا، يركز على دعم تركيا، والنقطة المهمة دعمها أمام الغرب، الذي كانت تصريحات الرياض تتجه بقوة نحوه، خاصة بعد صدور قانون جاستا الذي يسعى لمصادرة الموجودات السعودية في أميركا، وهو ما شجع السعوديين للخروج من أي تحفظ تجاه تركيا، روجت له جهات خليجية معادية لها وللإسلاميين.
لكن أنقرة لا تزال لم تستكمل مساحة كبيرة من دعم بنية الثورة الديمغرافية، وكان بالإمكان أن تتوسع وتتسارع، وتتحول إلى قوة موحدة في الجيش السوري الحر، تفرض معادلة آمان المناطق الحرة بالتسليح النوعي، مع دمج فصائل مهمة معه، وتأخر تركيا في هذا الملف خاصة بعد التجربة الصعبة مع الروس، سيعقد ملف أمنها القومي، وفرص صناعة جوار تصالحي حليف، والتردد هنا مكلف، كما يقول المثل العربي لصاحب العزيمة، فإن فساد الرأي أن تترددا.

بقلم : مهنا الحبيل

مهنا الحبيل