كتاب وأراء

ابتسامة المضيفة لا تبدد خوفا!

حين تشرق شمس اليوم، أراها وأنا بين طيات السحاب.
الجو، ما كان يخيفني. كنت استمتع بالطيران، لكن من المعرفة ما يخيف.
هذا التدفق المعلوماتي، الذي يجيئني، وانا جالس أمارس عملي الصحفي امام هذا الجهاز العجيب- الكمبيوتر- ليس خيرا كله.
المعلومات عن الحروب ترعب، وكذا عن الكوارث الإنسانية بمختلف تسمياتها، وفي أي مكان.. وكذا المعلومات عن أنواع التعذيب التي تمارسها الأنظمة البشعة المتوحشة، والمعلومات عن حوادث الطيران!
أول ما تسقط طائرة، تتحطم، تبدأ الوكالات تجتر كل حوادث الطيران المأساوية.. تتحدث عن الخلل المحتمل في تصنيع هذا النوع أو ذاك من أجيال الطائرات.. تتحدث عن الأسباب.
تتعدّد، لكن الموت واحد!
في البر، عادة لا يسيطر عليك الخوف. تتخيل أن حيلتك اوسع، وفرص النجاة أكبر، لكن في البحر والجو، تضيق الحيلة، وتتضاءل فرص النجاة، ويستبد بك من هنا الخوف!
أنا الآن، بين طيات السحاب- وأنا أنظر إلى الشمس- ينتابني الخوف من وقت لآخر. من يدري ربما تغيب شمسي، والسبب: هذا الخلل الكامن في تصنيع هذا النوع من الطائرات، كما تقول تلك الوكالات اللعينة التي لا تكف عن الثرثرة بأخبار الكوارث.. كوارث الطيران!
ينتابني الخوف، من وقت لآخر. خوف لا تبدده قطعة الحلوى تلك التي لا تزال في يدي، ولا هذا المنديل المعطر الذي أمسح به وجهي، ولااا.. ولا ابتسامة المضيفة: ابتسامتها المعلبة.. ولا دخول جاري في المقعد اليمين، في نومه!
لا. لا لن اغمض عينا. إنني أفضل أن يجيئني - لو جاءني- وأنا مفتح عيني إلى الآخر. أريد أن أراه- الموت- كما هو يراني..
الموت؟ يااااه، إنه لا يغمض له جفن، وهو يتربص قريبا جدا من كل حي.
للموت عينان بمساحة الدنيا بأكملها. هو ينظر إلى هذا في صحراء الربع الخالي، ويقبض أنفاسه في تمام الوقت الذي يقبض فيه أنفاس من في خط مية غرب أو من هو في خط الاستواء أو في مدار الجدي، أو كل أولئك الذين هم في حلب الآن، أو غير حلب من مدن الموت بالجملة، وتتعدد الأسباب!
لماذا ينذهل الناس- خاصة الحكام المتوحشين- عن حقيقة الموت؟
لماذا ينذهلون عن عينه التي لا تنام إطلاقا.. عن مجيئه إليهم- في أي لحظة- رغم وحدات الحماية المركزة، وهم في أبراجهم المشيدة؟
السلطة؟
تلك مثل البر. وفي البر يخيل إليك أنك في مأمن من الموت، لاتساع الحيلة، لكن في الجو والبحر، لا تخيّل إلا تخيّل الموت، في أي أي لحظة!
اللي في البر، عوام..
ومن في السلطة، ينذهل عن حقيقة أنه في مهب الريح.. تماما مثلي أنا، وانا الآن بين السحاب، أنظر إلى الشمس، ولا أدري ما إذا ما كانت شمسي ستغيب، حين تنحرف هذه الطائرة انحرافة مخيفة، وتصعد فجأة، ثم تتهاوى.. ومصاريني تقفز إلى فوق، وإلى تحت بجنون مخيف، ثم لا تكون لى مصارين في النهاية على الإطلاق!
أيها الناس، أنساني رعبي من ركوب الجو، أن اقول لكم، إنني الآن على بعد مئات الاميال الجوية، من الخرطوم!
آه، ما أجمل ان يبتعد الصحفي لشهر كامل عن تلك الوكالات اللعينة التي لا تكف عن الثرثرة، بأخبار الدنيا والعالمين!

بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار