كتاب وأراء

المكان الفارغ تملؤه الحياة

علماء الفلك-هذه الأيام- أكثر تسامحاً بخصوص وجود الحياة في أرجاء الكون.. لا يشغل بالهم إن كان الكوكب ملتهباً مثل عطارد أو كتلة من الزمهرير مثل بلوتو.. فطالما وجد الماء تجد الحياة سبيلاً للظهور.. حتى توفر الأوكسجين والأغذية العضوية لم تعد ضرورية لظهور واستمرار الكائنات الحية..
كيف عرفنا ذلك؟
من مظاهر الحياة التي تم اكتشافها في بيئات الأرض المتطرفة.. فقد اكتشفت أنواع من البكتيريا قرب فوهات البراكين الساخنة (وهذا يعني قدرتها على العيش في بيئة شديدة الحرارة، تحت ضغط هائل، ضمن وسط معدني مميت).. كما اكتشفت كائنات حية تحت أطنان هائلة من جليد القطب الجنوبي (في درجات حرارة أقل من الصفر وبيئات تنعدم فيها مقومات الحياة والعناصر المغذية)..
.. وقبل أن نتوسع أكثر أشير إلى أن علماء الفلك (حين ينوون التأكد من وجود الحياة في أرجاء الكون) لا يبحثون عن رجال خضر يقودون مركبات متقدمة، بـل عن لبنات الحياة (كالأحماض الأمينية) أو مخلوقات أولية (كالجراثيم والطحالب) في حين سيحققون اكتشافاً خارقاً إن عثروا على حشرات ونباتات بدائية.. فمجرد العثور على هذه الأنواع يعني إمكانية ظهور أشكال أكثر تعقيداً من الحياة على كواكب بعيدة ومجهولة تملك بيئات أفضل..
لهذا السبب تعـد دراسة ظروف الحياة (المتطرفة وغير المتوقعة على كوكب الأرض) مهمة لفهم إمكانية ظهورها خارج الأرض- ناهيك عن حقيقة أنها أقـل كلفة من إرسال مركبة فضائية.. لن تسافر على أي حال بسرعة الضوء!
وكي تفهم الفكرة بشكل أفضل دعني آخذك في جولة مدهشة على مواقع ظهور الحياة الغريبة فوق الأرض..
ففي غابات البرازيل مثلاً يوجد نهر غريب يدعى شاناي تمبشكا لا يتجاوز طوله أربعة كيلو مترات.. غير أن درجة حرارته تبلغ 90 درجة مئوية وتصل في بعض أجزائه إلى حد الغليان والتبخر.. لا أحد يعرف السبب (وإن كان هناك شك بوجود مسام بركانية صغيرة في أسفله) ولكن الغريب أن العديد من الكائنات الحية تأقلمت مع حرارته ومازالت تعيش داخله..
وفي رومانيا هناك كهف يدعى موفيل انغلق على نفسه بصورة طبيعية قبل خمسة ملايين عام.. ولأنه انعزل بشكل كامل طوال هذه الفترة تشكلت داخله بيئة حياتية خاصة به وحده (وكأنه كوكب مستقل).. فـالشمس لم تدخله منذ ملايين السنين، والحياة داخله تعتمد على الكبريت، والجو يتضمن الكثير من النيتروجين وثاني أوكسيد الكربون.. ورغم كل ذلك ظهرت فيه الحياة واكتشف العلماء 33 كائناً حياً (لا تملك أعين بسبب الظلام الدامس) ولا توجد في أي مكان آخر من العالم..
أيضاً؛ أذكر أنني كتبت مقالاً خاصاً عن الأحافير الحية التي يتم اكتشافها تحت أعماق الأرض.. ففي مناسبات كثيرة يتم العثور على ديدان وزواحف غريبة تعيش داخل الطبقات العميقة أو الجذوع المتحجرة (حيث لا ماء ولا هواء ولا حتى فراغ للتحرك).. يكتشفها غالباً من يحفرون الآبار أو يشقون الأنفاق أو ينقبون عن الفحم والذهب.. ورغم أهمية البكتيريا والطفيليات التي يكتشفونها تحت الأرض، يعد اكتشاف الديدان والزواحف بمثابة اكتشاف رجال خضر يقودون مركبات فضائية متقدمة..
وفي حال أضفت (للأمثلة أعلاه) الديدان والبكتيريا التي تعيش داخل أمعاء الإنسان، نكتشف قـدرة الحياة على الظهور في أماكن غريبة وكواكب مجهولة لا تتفق بالضرورة مع شروط الحياة التي نعرفها..
باختصار شديد:
الحياة تملك القدرة على الظهور في أي فراغ رطـب.
بقلم : فهد عامر الأحمدي

فهد عامر الاحمدي