كتاب وأراء

تسريبات كيري والحقيقة الدامغة

ماذا لو كانت التسريبات التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز عن اجتماع وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع عدد من الناشطين السوريين صحيحة؟ مبدئياً لم يختلف ما قاله كيري في التسريبات عما يقوله دائماً في اجتماعاته مع المعارضة السورية من حيث تعارض مبادئه مع السياسة الأميركية بخصوص سوريا، إذ لطالما عبر عن ذلك في أحاديثه، في محاولات لإظهار أن ثمة خلافات في الإدارة، غير الأميركية هي ما يمنع الولايات المتحدة من اتخاذ موقف مبدئي وجدي بما يخص سوريا، غير أن الجديد في التسريبات هو في ما يفصح عن حقيقة السياسة الأميركية تجاه الوضع السوري دون مواربة، فبعد خمس سنوات تقريباً من المراوغة والتصريحات المتناقضة واللعب على جميع الحبال التي يتعلق عليها الوضع في سوريا، يوضح كيري أخيراً أن لا نية لأميركا بمحاربة الأسد، وأنها إن قدمت السلاح لإحدى جهات المعارضة فلتتم محاربة داعش والقاعدة لا النظام ولا حلفائه، يتحدث وزير خارجية الدولة الأولى في العالم عن أن روسيا لا تحترم القوانين الدولية وأن وجودها في سوريا شرعي، لأن حكومة الأسد هي من طلبت منها ذلك، وهو ما لن تفعله الولايات المتحدة، هكذا يعترف كيري أخيراً أن الولايات المتحدة الأميركية ترى في حكومة الأسد حكومة شرعية بعد خمس سنوات من مطالباتها له بالتنحي، والأهم هو ما توضح من التسريب على أن الاتفاق الأخير بين روسيا وأميركا لم يكن مجدياً، وأن اتفاقات مشابهة بخصوص وقف إطلاق النار لا يمكن أن تتم، فحسب تعبيره، لا مجال للتعاون الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وروسيا بخصوص سوريا، وعلى المعارضة السورية أن تقبل بانتخابات رئاسية وحكومة انتقالية مع وجود الأسد، كما أن أميركا ليست في وارد محاربة حزب الله، إذ لم يعلن الحزب الحرب على أميركا على عكس داعش والقاعدة! وبالعودة إلى السؤال الأول: ماذا لو كان هذا التسريب صحيحاً، وهو ما لا يستبعد أبداً؟ ألا يدل هذا على أن ثمة اتفاق ما حصل بمعرفة الجميع وسلمت به أميركا الملف السوري لروسيا لتتصرف به كما تشاء؟، بحالة كهذه، ومع التنصل الأميركي الكامل من كل الالتزامات والوعود التي قطعتها للمعارضة السورية ما الذي يمكن أن تفعله المعارضة السياسية وقياداتها من الائتلاف إلى كل الهيئات السياسية المعارضة الأخرى، وعلى من سيعولون بعد الآن؟ طالما من كان يقود تجمع أصدقاء سوريا هي الولايات المتحدة، وبديهي أنه بعد أن نفضت الأخيرة يدها أن يبدأ الباقون بنفض أياديهم بالكامل، وهو ما ظهرت بوادره منذ مدة، منذ التقارب التركي الروسي، ومنذ ابتعاد دول الاتحاد الأوروبي عن أي تصريح جاد متعلق بالوضع السوري، ومنذ الصمت الكامل للدول العربية التي يفترض أنها صديقة للثورة السورية عن الجرائم اليومية المرتكبة من قبل الروس والنظام بحق المدنيين السوريين في المدن التي خرجت عن سيطرة النظام، وربما ما يحدث في حلب من تدمير يومي ممنهج تحت أنظار تركيا والعرب والعالم دليل على ذلك، بعد كل هذا هل سنشهد إعادة لتطبيع العلاقات الدولية مع النظام السوري، بعد محاولات تبييض صفحته الملوثة بدماء مئات آلاف السوريين باختراع مصطلح محاربة الإرهاب؟

بقلم : رشا عمران

رشا عمران