كتاب وأراء

غناؤنا وغناؤهم

صارت مشاكل أبنائنا مختلفة إلى حد كبير عن مثيلتها التي كنا نتشكي منها قبل أربعة أو خمسة عقود خلت، إلى حد أنني صرت أرى مشاكلهم هذه، كما لو أنني أشاهد فيلما مقرصنا إلى العربية دون أن ينجح مخرجه في تمصير أو تعريب قضيته وموضوعه، بمعنى أن مشاكل الأبناء صارت «غريبة» نسبيا عن مشاكل جيل الآباء.
مضامين الزمن اختلفت، فاختلفت معها أنواع وأسباب المعاناة، فمثلا نحن كنا محتشمين ومحافظين متمسكين بالموروث والتقاليد القديمة، نميل إلى الخجل والتردد، ونفتقر إلى الجرأة، وكل خطواتنا الجديدة نقدم عليها بحذر وحسابات، نستمع أكثر بكثير من أن نناقش، بينما السواد الأعظم من أجيال هذه الأيام لم يعودوا كذلك، بل أن أحد المتطلبات من جيل اليوم أن يكون الصبي أو الصغير مفوها ومجادلا ومناقشا ومفكرا، غير أن سماتنا لا تعني أن جيل الآباء أفضل حالا من جيل الأبناء، بل على العكس، فأبناؤنا صاروا يفعلون ما لم يكن بوسعنا أن نفعله، ويتاح لهم ما لم يكن متاحا لنا.
ومع ذلك ثمة من يرى أنه يحق لجيل الآباء أن يشعروا بالقلق والتوجس من جموح الأبناء وطموحاتهم وإيقاع حياتهم، بل من اللغة الدارجة التي اشتقوها لأنفسهم وصاروا يستخدمونها حتى في التواصل الاجتماعي.
والمقطوع به أن عالمنا الآن يتغير أسرع بكثير من معدلات التغير في صبانا وشبابنا، وأتذكر أن عبدالرحمن بن خلدون يقول في مقدمته إن المجتمع يستمر ثلاثة أجيال، وكل جيل يستغرق أربعين سنة، وذلك حينما كان هناك معمرون تطول أعمارهم إلى ما بعد المائة، ومن ذلك فلو أن ابن خلدون كان في زمننا الراهن لقال إن المجتمع يستمر عدة أجيال، ذلك لأن ظهور جيل مختلف عن سابقه صار أسرع، وصار كل من الأجيال الثلاثة، كما عدهم ابن خلدون، أو الأجيال، كما أظن، مختلفا عن سابقه، لأن وتيرة التغير الاجتماعي والتقني، صارت أسرع بكثير.
ومن ظواهر ذلك أن الأجيال الراهنة لا تتذوق الغناء في أيامنا بمثل ما كنا نتذوق، لأن موضوع الأغنية القديمة، وهي توصف بأنها عصارة الضمير البشري، تحكي عواطف، تختلف عن موضوع عواطف هذا الزمن.
حبيب أيام زمان كان يضنيه الهجر والبعاد والفراق، وكان يكتوي شوقا ووجدا، ويعذبه السهر.. الخ، أما حبايب هذا الزمن، فقد صارت عواطفهم بسرعة الأجهزة الألكترونية التي يسهل فيها التواصل والنشوء والشطب والحذف، ولهذا يرى بعض شباب اليوم أن كثيرا من مواضيع أغاني أيام زمان كانت بلهاء وعبيطة ومضيعة للوقت.
ولكن أخطر ما تعانيه أجيال اليوم هو هجرها للغة الضاد، فقد تفرنجت أفواههم إلى حد كبير، ولهذا حينما اقترحت على مطرب شاب ناشئ، أن يقلد كاظم الساهر ويبحث في ميراث نزار قباني عن قصيدة جيدة ويغنيها، نظر إليَّ بما يشبه الازدراء، فوجدت نفسي أنظر إليه باحتقار وبازدراء يفوق ازدرائه!

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي