كتاب وأراء

التهوين لا يفيد


«صحتنا وصحة اولادنا ومستقبلنا».. رافقت هذه العبارة، بوست على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، شاركه صديق لي، يعلن عن الشركات التي قررت الهيئة المعنية بسلامة الغذاء في أميركا منع استيراد منتجاتها من مصر، بسبب تلوثها.
فرد عليه «مواطن شريف»، هو صديقي أيضا، بأن منع المنتجات مؤامرة أميركية ضد مصر، وقال بالنص «يعني ايه 13 واحد اتصابوا بمرض بسبب الفراولة في ولاية واحدة، في بلد فيها اكثر من 300 مليون شخص و50 ولاية!». عبارة صديقي «الشريف»، ليست مجرد رد في العالم الافتراضي، وانما هو حسب تعبيرات «الفيسبوكيين» أسلوب حياة. هو منهج تفكير يعتنقه عدد ليس قليلا، ممن يفترض أنهم مثقفون، أو على الأقل مهتمون بالشأن العام، الذي اصبح لصيقا بالشأن الخاص. الحديث كان بمناسبة حظر هيئة الصحة والسلامة الاميركية، دخول نحو 30 منتجا مصريا إلى الولايات المتحدة بسبب عدم مطابقتها للمقاييس العالمية.
بين التهوين والمؤامرة، تنحصر ردة الفعل على جميع المشكلات التي يعانيها المجتمع، حتى لو تحولت إلى كوارث. فالاعتراض على طعامنا الملوث، ووقف عدد من الدول استيراده حماية لصحة مواطنيهم، هو مؤامرة من هذه الدول، ومحاولة مشبوهة منها لمحاصرة مصر، حتى وان كانت معوناتها مازالت تتدفق علينا نقدا ونفطا – السعودبة والكويت مثالا– ناهيك عن ان من تزعم الأمر هو الولايات المتحدة الاميركية، التي نتمتع بعلاقات معها، أقل ما توصف به أنها استراتيجية، وربما تصل إلى حد الزواج، حسب تعبير وزير خارجية مصر الأسبق.
ما حدث مع «الطعام» المصري من رفض خارجي، حدث مثله ومن قبله، ومن بعده ايضا نماذج كثيرة للرفض، في عدد من المجالات، أبرزها السياحة، التي قاطعتنا فيها بعض الدول، بينما اكتفت أخرى، بوقف رحلات طيرانها إلينا. في التعليم كذلك، هناك دول شقيقة اوقفت بعثاتها التعليمية للمرحلة فوق الجامعية، وأخرى اوقفت إرسال طلابها للتعليم الجامعي نفسه إلينا. هذه المقاطعة، لها أسبابها الموضوعية، التي يجب ان نناقشها، بعيدا عن منهج التهوين، ونظرية المؤامرة، فهذه الدول لم تفعل ما فعلت إلا حرصا على صحة مواطنيها، وضمانا لأمنهم، وتلقيهم تعليما جيدا، وبمنتهى الوضوح والشفافية، واذا كانت معظم التصنيفات العالمية تضعنا في ذيل القوائم، سواء في جودة التعليم، أو في الصحة، أو الحماية من التلوث – لن اتحدث بالطبع عن الشفافية والديمقراطية-، فلماذا إذن يستورد منك العالم الخارجي غذاء، أو يأتيك سائحا، أو يرسل ابناءه إلى جامعاتك ومعاهدك العلمية؟!.
الاكتفاء بالتهوين على أساس ان أمعاء المواطنين في العالم يجب ان تكون كامعائنا نحن المصريين – تهضم الظلط–، وان افضالنا التعليمية لا تعد ولا تحصى!، لا قيمة له، والاعتماد على نظرية المؤامرة، لن يحل الأزمة – أي أزمة-. التهوين والمؤامرة، هما نوع من الانكار.. والانكار جريمة.. والجريمة قطعا لا تفيد.
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى