كتاب وأراء

الشاعر والموقف

يتوّهم الناس بوعي أو دون وعي، أن هناك موقفا محددا للشعر وكثيراً ما يحصرونه بالمعارضة أو بالموالاة، والأمر في حقيقته واضح، فالشاعر يحمل الموقفين معاً وفي آنٍ واحد دون اختلال أو اعتلال: فهو موال لمن يحب ومعارض لمن يكره. وبلا شكّ، تختلف دوافع الكره والمحبّة من شاعر إلى آخر ولدى الشاعر نفسه، فهي تتدرج من الموقف المبدئي حتى الموقف المادي مروراً بمواقف اضطرارية!

خذ هذا المثال وقارن: محمد مهدي الجواهري أو شاعر العرب الأكبر -كما يسمّي نفسه- وبعد كل ما كتبه من شعرٍ ثوري ونضالي ومعارض في مسيرته الحافلة بالمعارضة والنضال والثورة، بعد كل هذا، نراه يلقي قصيدة المدح الخالدة بين يديّ الملك حسين بن طلال في يوم مولده. فتحوّلت «سلكتُ بأوطاني سبيل التمردِّ» إلى «يا سيّدي أسعف فمي ليقولا».
في الجانب الآخر نرى العكس، فهذا عبدالرزاق عبدالواحد -متنبي العصر الحديث- وبعد أن قضى مسيرة حافلة في الموالاة ودعم النظام، ومعلّقات المدح التي كتبها في صدام تشهد، نراه اليوم وقد أصبح أحد أشد المعارضين لحكّام العراق الجدد -ولا غرابة في ذلك- وله من النصوص الثورية والنضالية ما لا يتكرر في كل الأزمنة. المفارقة الجميلة أن الجواهري يرى أن عبدالواحد تلميذه وخليفته، والمفارقة الأجمل أن عبدالواحد يذرف دموع الحنين كلّما ذكر اسم الجواهري. فرقّتهم الآراء ووحدّهم الشعر.

وبالنسبة لي -كقارئ ومحبّ للشعر- فإن هذه المواقف التي قد تبدو متناقضة عند كثير من الناس، ليست محل اهتمامي، وإنّما محط نظري هو ما تمت كتابته في خضم هذه التقلّبات الفكرية والمشاهد المتغيّرة فهي التي سمحت لنا بقراءة هذه النصوص الإبداعيّة في كل أغراض الشعر ومن نفس الشعراء.

يقال: لا شعر من غير موقف وهذا صحيح، أيًّا كان هذا الموقف، وأقول: لا شعر حيث الأدلجة الطاغية. الشاعر يستطيع أن يستخدم الشعر أداة لتسويق قناعاته وآرائه ورموزه ولكنّه لن يستطيع أن يجعلها محاضرات فكرية أو تقارير إخبارية أو حتى حملات دعائية، فكل هذه الأدوات موجودة وفعّالة دون الاستعانة بالشعر، أمّا الشعر فهو وسيلة تقوم بكل تلك المهمات بطريقة خفيّة لتسرق عقل المتلقي وقلبة بطريقة أسهل وأضمن أي وسيلة أخرى.
وفي ما يشبه ذلك، قلت:
أنا لستُ إلاَّ شاعراً متواضعاً
يردّدُ أبيات النضالِ الشواردا
وليسَ الذي يُهدي البلادَ دماءهُ
كمثلِ الذي يهدي البلادَ القصائدا

بقلم : صلاح العرجاني

صلاح العرجاني