كتاب وأراء

سوريا والعجز العربي الفاضح

مرة أخرى تنطلق آلة النظام والعصابات الاستعمارية المتحالفة معه في دكّ مدينة حلب دكّا بكل الأسلحة المحرّمة دوليا من القنابل الفراغية إلى العنقودية إلى البراميل والغازات بأنواعها. يحدث هذا في ظل صمت دولي وتواطؤ أممي مع الجريمة النكراء في حق الشيوخ والأطفال والنساء بشكل فاق بشاعة كل جرائم الحرب العالمية الثانية.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تدك فيها حلب بل لقد تعرضت المدينة نفسها منذ أشهر إلى غارات مدمرة سوّتها بالأرض وقتلت المئات من أهلها ودمرت المستشفيات على رؤوس المرضى. في سوريا تواطأ الإيراني مع الروسي مع النصيري مع الصهيو أميركي من أجل ذبح المدينة أو التفرّج على أهلها يُذبحون أمام شاشات العالم. العجز العربي ليس جديدا وجمود المؤسسات العربية ليس جديدا هو الآخر بل تحول إلى شاهد على الجريمة وإلى مشارك فيها بشكل مخجل عبر صمته المريب.
الصادم في الجريمة هو حجم الدماء والأشلاء التي لم يتحرك لها الشارع العربي ولا شوارع العالم فصارت خبرا ككل بقية الأخبار التي تعرضها الشاشات يوميا. بل إن الإدانة الدولية التي اكتفت كالعادة بالتنديد والشجب صارت تثير الشفقة لوقوفها متفرجة على الجرائم الروسية والإيرانية في حق العرب. من كان يتوقع أن تنتهيَ الثورة السورية إلى ما انتهت إليه من الأشلاء والدماء ومن كان يتصور أن تتحول مطالبة شعب بحقه في الحرية والكرامة إلى مذبحة مفتوحة عنوانها العجز الشعبي والدولي عن إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المدنيين والأطفال على الأقل؟ من كان يتوقع أن يكون النظام السوري بهذه الوحشية والدموية في التعامل مع شعبه؟ من كان يتوقع أن يبلغ الموت هذه المستويات؟
لقد سقطت كل المحادثات والاتفاقيات والمؤتمرات والندوات والمجالس حول سوريا وحول شعب سوريا وانتهت كلها إلى الفشل المريع الذي لم يزد الأزمة السورية إلا استفحالا ولم يزد السوريين إلا موتا. الثابت هو أن الثورة السورية سقطت ضحية صراع الكبار وتنازع القوى العظمى على المنطقة العربية وعلى ثرواتها وتمدد الامبراطوريات مشرقيا. سقطت الثورة السورية كذلك ضحية عجز مكوناتها السياسية وتناحر بعض فصائلها المسلحة وتنازعها على النفوذ على الأرض.
اليوم لا يمكن العودة إلى الوراء لأن الهدف الأسمى لكل هذا التوحش وهذا الموت هو دفن الربيع العربي ودفن مطالب الشعوب تحت أحذية الاستبداد والاستعمار معا. فالرسالة التي يريد الغزاة الجدد إرسالها إلى الشعب السوري تتمثل في استحالة تغيير النظام لأن محاولة ذلك تعني حرق البلد وتدميره على رؤوس أهله وهو ما نجحت فيه. أما الرسالة العربية فتتمثل في دعوة العربي إلى القبول بالاستبداد وبأنظمة العمالة والفساد لأن الخيار قائم بين الرضى بهذه الأنظمة أو الموت تحت الأنقاض قصفا بالطائرات.
الأكيد من ناحية أخرى هو أن تطهيرا عرقيا بصدد التفعيل في المشرق العربي وأن النية في إعادة رسم خريطة المنطقة لصالح القوى الاستعمارية هناك هو الهدف الأساسي لكل هذا الدمار والخراب الذي حلّ بالأرض والبشر. تهجير السكان وإعادة رسم الخريطة الديمغرافية لصالح الكيان الصهيوني ولصالح إيران من أجل منع العرب من تحقيق نهضتهم هي أهم مطالب هذا التغيير وأهدافه. في حلب وفي سوريا والعراق نحن أمام تطهير عرقي وتهجير قسري وجرائم ضد الإنسانية وحرب إبادة هدفها إنهاء البلاد والعباد ووضع غيرهم مكانهم.

بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد