كتاب وأراء

دفاعا عن ناهض حتر... دفاعا عن حرية التعبير!

امتدت يد الغدر بالأمس مجددا لتغتال الصحفي والكاتب الأردني ناهض حتر. انها ربما جريمة الاغتيال الأولى، ان لم تخني الذاكرة، التي ترتكب ضد حرية التعبير في الأردن، ولكنها مع الأسف واحدة من بين عشرات جرائم الاغتيال ذات الطابع السياسي وضد حرية الرأي التي حصلت وتحصل على مدى الفضاء العربي.
لم يتسن لي التعرف على الزميل ناهض حتر معرفة شخصية، وانما فقط من خلال كتاباته، في الصحافة الاردنية ثم في الصحافة اللبنانية، وجرأته في الدفاع عن آرائه ومواقفه التي لم أشاطره في ما ندر الرأي فيها. واعتقد ان عدم معرفتي الشخصية به وعدم مشاطرته لآرائه هما سببان اساسيان ووجيهان يحتمان علي، أولاً من حيث المبدأ ادانة الجريمة الوحشية، وثانياً الدفاع عن حق حتر في التعبير عن رأيه والكتابة، وحقه بالتالي في الاختلاف والانتقاد والسجال. وهذا ما مارسه حتر بقوة واندفاع، مما عرضه للسجن مرات عدة بين عامي 1976 و1979 وثم تعرض لاحقا عام 1998 لمحاولة اغتيال أدت إلى إصابته إصابات بليغة. ثم اضطر فيما بعد إلى مغادرة الأردن، فانتقل عام 1998 للاقامة فترة في لبنان، وعاد بعدها ليستقر مجددا في عمان. ومؤخرا، اوقف حتر في 13 اوغسطس الماضي عقب نشره رسماً كاريكاتورياً تحت عنوان «رب الدواعش»، على صفحته عبر «فايسبوك»، اعتبر مسيئا للذات الالهية، وأثار جدلا واستياء في اوساط الإسلاميين والمتزمتين. ووجه اليه القضاء الاردني تهمتي «اثارة النعرات المذهبية» و«اهانة المعتقد الديني». وكانت عقوبة أي من التهمتين المسندتين إلى حتر قد تصل في حال ادانته إلى السجن ثلاث سنوات. سارع الزميل حتر إلى حذف المنشور من صفحته بعدما ان نفى التهمتين وأكد أن الرسم «يسخر من الإرهابيين وتصورهم للرب والجنة، ولا يمس الذات الالهية من قريب أو بعيد، بل هو تنزيه لمفهوم الألوهة عما يروجه الإرهابيون». وأضاف قبل ان يغلق صفحته الشخصية على «فايسبوك» ان «الذين غضبوا من هذا الرسم نوعان: أناس طيبون لم يفهموا المقصود بأنه سخرية من الإرهابيين وتنزيه للذات الإلهية عما يتخيل العقل الإرهابي، وهؤلاء موضع احترامي وتقديري». أما النوع الثاني فهم: «إخونج-داعشيون يحملون الخيال المريض نفسه لعلاقة الإنسان بالذات الإلهية. وهؤلاء استغلوا الرسم لتصفية حسابات سياسية لا علاقة لها بما يزعمون». هذا ما كان يكتبه ويمارسه الزميل ناهض بقناعة وتصميم، وباسلوب يرتدي أحيانا طابعا أيديولوجيا ويصل أحيانا أخرى إلى مرتبة الطقوسية، سواء بالنسبة لدفاعه عن بشار الأسد والنظام السوري أو موقفه من السلطة الفلسطينية التي كان يعتبرها مساومة ومتخاذلة، أو حتى في دعمه واعجابه بمقاومة «حزب الله». وهو لم يكتف بمارسة مهنة الصحافة بل اجتهد وألف كتبا في عدد من المجالات، تناولت تجربة حركة التحرر الوطني العربية، ودراسة نقدية لليبرالية كونها معادية برأيه للديمقراطية، وكتب عن الصراع الاجتماعي في بلده الاردن وعن «التجرية التاريخية في المقاومة» ل»حزب الله»، وعن مأزق المشروع الاميركي في العراق، وغيرها من المؤلفات...
كان شجاعا وجريئا في قول ما يريد، لم يثنه كل ما تعرض له من ضغوطات وإرهاب عن التعبير عن رأيه. لم يمارس الغوغائية ولا السفاهة كمثل كثيرين من كتاب «الممانعة». كان كاتبا ذا توجه قومي عروبي أكثر منه يساري إنساني كما كان يعتبره البعض. حقه في التعبير والاختلاف يتقدم على حق من يفكر مثلي أو يشاطرني الرأي!
من له مصلحة في اغتيال حتر؟ لقد أردي أمام قصر العدل في عمان. هل «الإسلاميون التكفيريون» الذين غضبوا مما فعل؟ واذا كان هذا صحيحا فهذه سابقة خطيرة في الاردن. أم احدى الأجهزة، وما أكثرها، بهدف توريط السلطة الاردنية؟ .

بقلم : سعد كيوان

سعد كيوان