كتاب وأراء

عمل وحيد خالد.. هذا كل شيء

لا يمكن أن تكون طريقة متعمدة، أو خطوة تخطط لها قبل أن تقوم بها، لكنها ناجحة على كل حال: أن تقول كل شيء مرة واحدة ونهائية وتنصرف، مخلدا اسمك إلى الأبد في سجلات بناة العالم..

أن توقف بطريقة شجاعة تنويعاتك المجهدة - غير المثمرة أغلب الوقت- على فكرتك التي ولدت من أجلها، الفكرة التي يفترض أن تأخذ وقتك كاملا لإنتاجها، إذ أنها هي من سيأخذك لاحقا إلى الخلود..

هذه الطريقة في الضرب ثم الهرب، ليست جديدة كليا، إذ ظهرت طوال تاريخ الشعر العربي مثل هذه الأعمال المدهشة والمبتكرة، والتي بضربة واحدة تخلق كل ما يلزم من خلود لقائلها، الفرق أن الشعراء بطبعهم يميلون إلى الثرثرة، لا يكتفون، ويشككون، نتيجة الغرور، في حقيقة أنهم لا يمكن تجاوز هذه القصيدة، يستمرون في قول أشياء، لكن التاريخ لا ينظر إلى شيء مما زاد عن قصيدتهم اليتيمة، أو ما اشتهر على تسميته بالقصائد اليتائم. شعراء الواحدة، كما صنفهم ابن سلام الجمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء، هم شعراء الواحدة العبقرية، التي احتفظ بها التاريخ، وسجل أسماءهم نتيجة لها، مع أنهم كتبوا قصائد أخرى لا يتذكرها أحد.

خلد الحسين بن محمد المنبجي اسمه نتيجة لأشهر قصيدة يتيمة في التاريخ العربي:

هَل بِالطُلولِ لِسائِل رَدُّ

أَم هَل لَها بِتَكَلُّم عَهدُ

وفي عالم السرد، عرفت أسماء، وخلدت، من خلال عمل واحد.

ولأن الأمر أكثر وضوحا في السرد منه في الشعر، فقد فهم الكتاب الذين أنجزوا، أو فهموا أنهم أنجزوا عملا لا يمكن لهم تجاوزه، وليس باستطاعتهم إضافة المزيد عليه، فهموا أن عليهم التوقف برضا وانتصار نهائي على الكتابة. والأمثلة كثيرة لكتاب اتخذوا مثل هذا القرار، لعل أشهرهم «جيريوم ديفيد سالينغر» كاتب رواية «الحارس في حقل الشوفان».. الرواية التي يباع منها 250 ألف نسخة سنويا.. وترجمت لكل اللغات الحية تقريبا، عرف سالينغر أنه أنجز تحفة أدبية، وأنه من الابتذال محاولة إضافة أي شيء آخر على مسيرته بعد هذا العمل، فتوقف عن كل شيء تقريبا، وعاش في عزلة خلال الخمسين عاما التالية من حياته (توفي سنة 2010)

كاتب آخر خلده عمل روائي - حقيقي- وحيد، الروائي المكسيكي خوان رولفو، الأب الروحي لمدرسة الواقعية السحرية، المدرسة التي تأسست بالكامل على عمله العظيم «بدرو بارامو»..

رواية «الدكتور جيفاغو» خلدت اسم «بوريس ليونيدوفيتش باسترناك» كروائي.. رواية «ذهب مع الريح» الأيقونة الأدبية العالمية، التي إن لم يصدُف لأحد على هذه الأرض قراءتها فإنه من المحتمل شاهد الفيلم المقتبس عنها، والذي حصد ثماني جوائز أوسكار، هذه الرواية هي العمل الوحيد للكاتبة الأميركية مارغريت ميتشل..

إذن، هو عمل وحيد كل ما تحتاج، والأمر المؤكد الذي يجب ألا تبذل كل جهدك للمراهنة عليه، هو الخلود من خلال الكم، من خلال العدد، التاريخ يكره إجباره على أمر لا يريده.. وفي النهاية لا يمكن لشيء أن يصيب بالحيرة مثل تكرار إعلان على هذا النحو:

روايتي الثالثة، ديواني الخامس، مجموعتي العاشرة، فعندما ينتج كاتب كل هذه الأعداد بينما لا يزال يحتاج لمثل هذا التنويه فإن عليه الكف عن الكتابة.

بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد