كتاب وأراء

«زرق» طيور وشر بشر

صارت هواية ان أستيقظ في الصباح الباكر، قبيل اول ضوء للفجر، من اجل رياضة المشي، وقبيل حلول موعد قراءة الصحف القاهرية .
ربما ان الحافز ليس فقط تخفيض الوزن، والحفاظ على ما تبقى من رشاقة، ولكن للاستمتاع برياضة اظن ان صلاحيتي لممارستها سوف تشارف قريبا على الانتهاء .
في الاحوال كافة ما اروع ان تمشي في بيئة حدائقية خلابة، لها اشجار عتيقة سامقة، ارى ثمار بعضها المتساقط منها غير معروفة في البيئة الزراعية المصرية، لذا اظن ان زارعيها جلبوا معهم شتلاتها أو بذورها من خارج البلاد، فليزرع الاثرياء اجمل الحدائق، ليستمتع الفقراء مثلي ببهجة النظر لها، واستنشاق خليط من شذى نباتاتها
وأشجار ونباتات حدائق منطقة المعادي القاهرية ليست وحدها المختلفة، بل ان إنسان هذه المنطقة مختلف اجتماعيا وماديا، فمعظم سكان المعادي من قدامى اثرياء مصر، ومن اجانب وفدوا اليها واحبوها وعاشوا فيها، ويسكنها ايضا نخبة من كبار المسؤولين والكتاب والفنانين ومن رجال السلك الدبلوماسي.
انا لست «في أي سلك من هذه السلوك»، ولم اشأ ذات يوم ان اكون من هذه الطبقة الارستقراطية، بل عشت وسأموت متواضع الحال، مرتاح الضمير.
غير ان المختلف في هذه المنطقة ليس فقط الإنسان والنباتات، ولكن ايضا سكان هذه الاشجار من طيور، تستقبل اول ضوء للفجر بأوركسترا غنٌاء، انها ليست فقط زقزقة عصافير، ولكنها اصوات طيور ملونة متفاوتة الاحجام، تقطن أوكارها في اعالي هذه الاشجار، وتبدد الصمت الصباحي المطلق، بموسيقى تغريداتها الشجية، وربما ان هذه الطيور المستوردة فرت من اقفاصها، ولم تجد مأوى لها يضاهي بيئاتها الشجرية الكثيفة الا بهذه المنطقة الخالية من اية ازعاجات لها .
ولكن ما ازعج كاتب هذه السطور هو انني رأيت صيادا ببندقيته «الرش» يراقب أعالي الاشجار سعيا لصيد وافر في منطقة مكتظة بهذه الكائنات الموسيقية الجميلة، قلت في نفسي: من دل هذا البغيض إلى هذه المنطقة ليعكر صفو كائناتها الجميلة ببندقيته المتوحشة
و حينما القى علي التحية، وجدت نفسي ارد بإقتضاب، ثم ووجدتني اتحدث اليه بمودة ورجاء مناشدا ان يترك هذه الطبيعة الجميلة بكائناتها في سلام، خاصة وان معظم طيورها ليست مما يؤكل، بل اغلبها طيور زينة جميلة فرت من اقفاصها، فماذا يفيده ان يغتالها، ففاجأني بإطاعته الكلام من مسن في عمر والده، واعاد بندقيته إلى كتفه ومضى وهو يشكرني .
ورغم انني حميت طيورا احبها من صياد كاد ان يمطرها ببندقيته، الا ان أحد هذه الطيور «زرق» من عليائه فوق رأسي الاشيب، ومع ذلك لم اندم انني صرفت عنها الصياد، فان اخطأت مرة، فقد امتعتني مرات بتغريداتها العذبة .
زوجتي قالت لي متهكمة: تفاءل يا رجل، فزرق الطيور على راسك فيه خير، ومعناه انك ستكسى بملابس جديدة، فقلت لها معلقا: هذا الطير القذر الذي فعلها، لم يرفع لي القبعة، فلماذا لا تقولين: «خير تعمل.. شر تلقى»، اذ يبدو انه يتعين على المرء اتقاء «زرق» طيور وشر بشر احسنت اليهم .

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي